Thursday, May 21, 2009

في حضرة رئيس مصر

أنَا ..ود.ايمن نور ..في حضرة رئيس مصر
من مذكرّات الفيس بوك

قبل أنْ أبدأ في سردِ دوري في الأمر علينَا أن نعرف اولاً من هو َ د. أيمن نور .. أيمن نور من تاريخهِ وتَاريخِ نضَاله لا من صحفهم وأقلام نعرف جميعًا كيف تكتب وكيف تسخّر لخدمة شيءٍ مّا أو شخصٍ مّا
قالُوا بأنّه جاءَ كممثل لأمريكَا ولأفكارها وإرادتها في مصر , قالتهُ صحفُ الحكومة التي لا تكف عن الانبهار بعظمة أوباما والثقافة الأمريكية..
قالُوا بأنّه موالٍ لنظام ويدٌ زائفةٌ جديدَة في سلسلة ديكُورَات مصر وإلا ما وافقَ على إنشاء حزبِه , قالهَا الشعبُ الذي ما زال يخضع تحت حكم نفسِ النظّام وسيظلّ..
قالوا أنّه مدعومٌ من الاتحادِ الأوروبي , مزورٌ في الاوراق وإلا فكيف سجنته حكومتنَا العادلَة ؟ , قالوا بأنّه خائنٌ للعهد طلّق امراتهُ بعد كل تاريخهَا في النضَال من أجله , قالوا وقالوا وقالوا ... وسيقُولون ..
د. أيمن نور من وجهَة نظري المتواضعَة رجلٌ يحمَل همومَ هذَا الوطن على كتفيهِ , منذ كان يقفُ في مجلس الشعب معارضًا مارقًا عن النظام هل كان يعلم بنبوءة ان معارضته ستجعل منه زعيمًا معارضًا وأن مبَارك سيعدّل الدُستور ليترشح رئيسًا للجمهورية ؟ إذن ايمن نور كان معارضًا - الطريف في الأامر أنني عرفتُ منه أثناء استضافتهِ لنَا - أنه من تقدّم بملف التعديلات الدستورية إلى المجلس !
أيمن نور كان مواطنًا مسئولاً لم يعجبهُ حال البلاد في وقت بلغَت فيه صلابة قيود الصمت أعتى درجاتها , ولا أكذب إذا قلت - كما لا بد وانكم تعرفون - أنه أحد أهم اسباب الحريات والانفتاح الفكري الذي يحدث الآن رغم كل ما تضعه له الحكومَة من عقبَات ..السبب بحديثه واستغلال حصانته في تحدي النظام علنًا لأول مرة أشهدهَا في حياتِي منذُ ولدتُ في عهدِ مبَارَك , المرشّح الأكبر والابرز والأهم والأكثر حزمًا في انتخابات الرئاسَة بينمَا راينَا الجميع يمسحونَ على ظهُور الحكومَة !
وعلى عكس الجميع , تم حبسهُ في قضيّة جنائية بطريقة مسرحيّة شاهدهَا العالمُ كلّه وراقب بعينيه من يخطون فصولها وهم يفعلُون ..
وكفصلِ ختامٍ لهذَا التقديم .. إذا كان د. أيمن مجرمًا فلماذا تركوه يحصد كل هذهِ الشعبيّة لتخرج فضائحه فجأة رغم كفاءة شرطتنا - الأولى - في التحريات وهو رجلٌ ذو مناصب حيوية والأدهى أنه معارض ؟ وإذا كان عميلاً لامريكَا فلماذا يعاني من حصارٍ امريكي لممتلكاته ولماذا يذهب جمَال مبارك إلى أمريكَا في مقابلات سريّة مع شخصيّات لو التقاهَا آخر لربمَا كان مصيرهُ الإعدام ؟ , أما من يقول أنه ذراعٌ حكوميّة .. فبهِ ارّحب علني أجدُ له مكانًا في دارِ المكفوفين ..

عندمَا خرجَ أيمَن نور من سجنهِ كانت معرفتي بالامر غريبة , هناك امرأةٌ حتّى الآن أرغب بشدة في معرفة من هي , كانت تجلس في البيجو الذي يقلنا إلى طنطا من القاهرة بالمقعد الأمامي جوار السائق , كان الجوّ ليلاً وسمعتهَا تتحدّث في الهاتفِ كثيرًَا .. أثارني أنها تتحدّث طويلاً وتناهيإلى مسامعِي عدّة كلمات من بينها إيهاب وجميلة وايمن طلعَ ..
التركيب الثلاثي للاسماء لا يعني سوَى أنّه د . أيمن نور .. هكذا سألتهَا فورًا .. هل تقصدين دكتور أيمن نور ؟ - قالت نعم .. ولم أزد بحرف .. فقط عندمَا هبطت من السيارة ارسلت رسالةً قصيرة إلى عبد المنعم إمام أمين منظمة الشباب الحر به ثلاثة كلمات : د. أيمن نور طلع !
قررنا ان نذهب لتهنئته , أنا واثنين من زملاء الحزب , تهنئته بالخروج ودعوته لزيارةٍ إلى مدينة طنطَا , كان هذا بعد عدّة ايام لم يجل هذا بخاطري فيها قط حتّى جاءت الفكرة ..
بحثنَا عن تليفون د. أيمن نور حتى وجدنَاه بصعوبَة - فيمَا بعد علمتُ أنّه مع نصف كوكبِ الأرض وكان ظننا قي صعوبة تداول رقمه انه سياسي هام وهؤلاء ِ - هأو - سلملي على أرقامهم ..
بعد عدّة اتصالات كانت المفاجأة .. دكتور أيمن نور ردّ اخيرًا ووَافقَ على اللقاء بل ورحّبَ بهِ بشدّة !
اتصلت بشهاب عبد المجبد رئيس جبهة الشباب الحر التي اتبعهَا حزبيًا واخبرتهُ بالتفَاصيل فرحّب بالفكرَة وذهبنَا أخيرًا
في البدايةٍ كان موعدنَا معه في مقر حزبِ الغد ولكنّ حدثّ تأخر وكنّا قد بدأنَا نشعرُ بأن هنَاك خدعةً في الامر , هكذَا جلسنَا على مقهى البورصة في وسط البلد نشرب النسكافيه حتى اتانَا اتصّال منهُ أخيرًا .. إنّه ينتظرنَا في منزلهِ بالزمَالِك ..
وفي الطريق حتّى وصلنَا إلى باب منزلهِ لم أكن مستوعبًا بعْد , فتحتَ لنَا الباب فتاة وأدخلتنَا إلى صالون منزله الفخم .. عدد من المقاعد تتوسطها مائدة صغيرة بجوارها مثلها وسط عدد آخر من المقاعد المختلفة , التحف تتنَاثرُ هنَا وهنَاك وأخيرًا اكواب الشاي التي جلسنَا نرتشفهَا في تؤدّة ..
لحظات الترقّب التي تبدو طويلة ..
والرئيس يأتي متكأً ببطء على درجَاتِ السلّم من آثار المرَض , ويصعد في بطيء وهو ينظر نحونَا مبتسمًا مرحبًا .. لم نكد نراهُ حتّى وقفنَا جميعًا , للحظَات وقفتُ انّا صامتًا ذاهلاً ثم هرعتُ نحوه اصافحه في حرارةٍ وأحتضنه ..
رمز الحريّة في مصر , رمز التحدي , أنا أقف أمام اكبر منادٍ بالحريات والحقوق في مصر , واكثر من أهينَ وتحمّل في سبيلهَا , من سجنَ تحملاً للتزوير ومؤسس حزب الـ... دعكَ من هذَا كلّه ..
أنا اقف امام رمز الرئيس الأول المختلف عن مبارك الذي رايته في حياتي , كم مرّة من العمر يحظى مواطنُ بشيءٍ كهذَا دون سابق معرفة ؟ تقريبًا في مصر ولا مرّة , هذا هو المفهوم السائد وما كان سائدًا لدي حتى التقيت أيمن نور
أيمن نور الذي اقنعني وانا اشرب الشاي في بهو منزله دون ان يتحدث في الامر بأن رجلاً بقوة منافسة الرئيس وحاصد الجماهيريات العالية مع كل التزوير والمقاطعة التي حدثت يلتقي المواطنين ببساطة شديدة وبابهُ مفتوحٌ دائمًا بلا ادعاءَات وهذَا عن تجربه , هكذا تغيّر احد المفاهيم السائدة لدي ..
و ..

جلسَ الرئيس وجلسنَا , هنأنَاه على سلامة الخروج , وتبادلنا حوارًا عاديًا عامًا عن شخصه و المناخ الحالي لمصر , تفاجأت بأخد زملائي وهو يخرج كتابي ناثر البخور من حقيبته ويعطيه للرئيس وبقول أهديه له كنت أعرف أنك ستنساه , كانت مفاجأة حقيقية تمامًَا بالنسبة إلي ’ أعطانَا نبذة كذلك عن إعلان القاهرة ثم فاجأنَا بقيامه واستدعاءه بعض الشباب شادي العدل و إسراء عبد الفتّاح و أحمد غنيم .. ليتعرفوا علينا ولنكون على اتصّال وقد حدّث .. جلسنَا قليلاً معه ثم نهضَ ليرتدي ملابسه ومشى تاركًا إيانا مع الشباب في منزله , كان لديه تقريبًا موعد مع إحدَى السفَارَات ..
صافحنَا الشباب وانصرفنَا بعد انصرافهِ فقد كان ما يزال أمامنا سفرٌ طويل حتّى طنطَا ..
هكذَا انتهى اليوم وكان قد أخبرنا بالتنسيق مع الشاب المتحمس أحمد غنيم لترتيب أمر زيارته لطنطا ..
هكذَا سأعتبر ما حدثَ بعدهَا سرًا إلا ان زيارة الدكتور أيمن نور تعذر إتمامها في المواعيد التي حددناها , وكان مرتبطًا بمواعيد سفرِه إلى الخارج ليخوض رحلته العلاجية ( شفاهُ الله ) , وقد أجلت زيارته إلى طنطَا إلى أجلٍ لم يسمّى حتى الآن لظروفٍ خاصّة
إلى أن جاء اليومُ الأوّل من آبريل , كنت أعلم أنه ذاهبٌ إلى منصورة بخصوص مؤتمر يعقدهُ في بلدته نبرُوه , وفضيتُ اليومَ في طنطا حتى جنّ الليل , وبعد ساعاتٍ من الغرُورب أتاني هاتِف من أحد زميلي وقائد مجموتنا أثناء زيارتنا إلى القاهرَة مفاده أنّ :
* دكتور أيمن نور جاي من المنصورة وهيعدي على طنطا واتصل بيا قلتله على طريق كفر الزيات وطلب رقمك .. مستعد تستقبله !

* بالتأكيد ..
* عاه .. دي مسئولية كبيرة . الأمن .. النظام .. القلق .. التوتر
* يعني الراجل عايز يسلم علينا ونقول مسئولية , أمن ايه انا لو هستقبله في بيتي !
إنتهى الحوارُ مع زميلي إلى هذَا الحد واتصلت بعدها بالذي صار صديقًا أحمد غنيم على هاتف الدكتور أيمن نور :
اعتذر لأن هاتفه انتهى شحنهُ واخبرني أنّهم في الطريق , وأن دكتور أيمن قادم ليصافحنا على وجهِ الخصوص لما علمَ بظروف تعذر تنظيم الزيارة قبْل سفرِه .. اتفقنَا على اللقاء بالمقهى الأحمدي في ساحة مسجد السيد البدوي في تمام الواحدة بعد منتصف اليلة وهي المسافة المقدرة حتّى وصوله وذلك لأنه مرّ على أحد كبار الرجال في حزب الغد وعضو لجنة الحكماء في طريقهِ إلى طنطَا ..
اتصلتُ بأسامة غزال أمين الشباب عن المحافظة و بشهاب عبد المجيد رئيس جبهة الشباب الحر في حزب الجبهة الديمقراطية وأخبرتهُ بأمر الزيارةِ العاجلَة فساد الارتبَاك للحظَات قبْل أن يقول :
دكتور أيمن شخصية سياسية عامّة لها وزنهَا الكبير جدًا في عالم السياسة . أكدّ علي أن أجعل الاستقبَال رائعًا قدر الإمكان وجعله يليق بزعيمٍ كبيرٍ مثله في ظل هذا الوقت الضيّق وفي أوّل زيارةٍ له لمدينة طنطَا ..
بعد عدّة اتصالات ببعض الأشخاص واتصلت بزميلي الثاني والتقينا و توجهت إلى مكان التجمع لأجد من حضر منهم :
أ . طه الحناوي أمين الحزب الناصري بالغربية وحرمه
ابراهيم مكاوي عضو مجلس محلي المدينة عن حزب التجمع
محمد بدر عضو شاب من حزب الوفد
خالد عبدالرحمن رئيس تحرير جريدة صوت الاحرار .
وجلستُ معهُم نحتسي الشاي قليلاً حتى وصل الزعيم أخيرًا , قمت إليهِ أستقبله في سرعة بعد أن توقفت سيارته أمام باب الساحة الرئيسية للمسجد وخلفها حافلتان صغيرتان , ترجّل منها فصافحته في حرارة .. وكالعادَة كان معه بعض الضيوف , وبعد تعارف قصير مع الأستاذ إيهاب الخولي رئيس حزب الغد وبعض الشباب جلسنَا على المقهى ليبدأ الحديث ..
طوال ما يقرب من ساعة ونصف دارت العديد من الأحاديث المختلفة عن الأحزاب في مصر والوضع بصورةٍ عامّة وعن شخصهِ وصحتهِ , عن ما حدث في نبروه وإعلان القاهرة وما أغلقت لجنة السياسات بابها عليه من قوانين تقدّم بها هو ..
هكذا انتهى الحوار ومضى بعد ان ربّت على يدي وهو يشكرني بشدّة ويهمس لي بأنّه لم يكن هناك من داعٍ لهذَا مطلقًا فقد كان يريد أن يرانا فقَط , واستقل سيارته و كذلك من أتى معه من ضيوف كرماء

عدتُ إلى المقهَى لأجد أنّ جميع من بهَا قد تبخرّوا وهناك فاتورةً للحساب كفيلة بخراب بيت قارون نفسه دفعتها وأنا أقسم حتّى الآن أن هذا حساب رواد المقهى طيلة اليوم يومهَا
من يومهَا وحتّى الآن وأنا أرغب في أن أشكر دكتور أيمن نور على شرف زيارتهِ لنا في طنطَا , ولكنني لم أجرب الاتصال به شخصيًا مرّة أخرى فانبهار المرّة الاولى لم يزل بعد ..
شرفنّي معهُ يومَ حضر ومعذرةً لمن لم أذكر أسماءهم ..
إيهاب الخولي - رئيس حزب الغد - , باسم سمير الاتحاد المصري الليبرالي - محمود جاويش صحيفة المصري اليوم - أحمد غنيم من شباب الغد - شادي العدل وغيرهم ممن لم يسعفني المقام لذكر أسماءهم
إلى هنا تنتهي المذكرات وإن كنت أحبّ أن أضيف أمرين :
1- حينَ ذهبنَا في المرّة الاولى إلى مقر الغد في ميدان طلعت حرب بأعلى جروبي وجدناه مغلقًا .. سألنا هل للغد مقرّات اخرى فوجدنَا آخر , لم نكد نصل إليه حتى قرأنا اسم موسى مصطفى موسى على لافتته فاستدرنا .. هكذا كان الحال مع عجوزٍ آخر التقيناه صدفة أمام مقر موسى .. قال أنه أيضًا ذهب إلى المقر القديم طامعًا أن يجد د. أيمن نور ولكنه وجدهُ مغلق فأتى إلى هنَا دون أن يعرف أنه لموسى هو الآخر , قال أنه لو كان أنه يعرف ا، هذا مقر موسى كان ســـ...
هبطَ معنا وسار معنَا قليلاً وفي الطريق قال : أتيتُ له لأقول له فقط أن الكلاب منعوني من إعطاء صوتي له في الانتخابات .. أريد ان التقيه لأخبره أنني أعطبته صوتي .. صوتي الذي لم يصل له لأنني لم استطع الإدلاء به .. وبدا متأثرًا قبل أن يحيينا وينصرف ..
2 - عرضتُ على أحمد غنيم أمرًا وهو أنني أحضّر لكتابٍ جديد يتضمن الحديث عن الدكتور أيمن نور , وأخبرته أنني أرغب في معرفة آرائه حول عددٍ من المواضيع , كان هذا في محادثة منذ أسبوعين وحتى الآن لم يأتِ أحمد بالردّ .. فالويل له :D

Sunday, May 03, 2009

أريد أن ابني كنيسة

تعريف : المسيحي / كائن حي من ذريّة آدم ومِن مَن حملوا مع نُوح .. يندرج تحت بني البشر في المعاملات .
تمهيد / لا أحب أن - ألقى هجومًا إن لقيت - لمجرّد أن القصة هي تقمصّ لشخص على غير ملّة الإسلام , هذهِ قصّة ولينكر أحدكم أنّها تحدُث !

أريـــــد أن أبني كنيـــــــسَة !
طارق عميرة - قصة قصيرة
قبل أن يهجر منزله للأبد، قال مايكل:
لن يجعلك الخوف تعيش للأبد..
ومضى بينما والده ينكس رأسه بعد أن انتهى من نوبة التوبيخ التي كان يصدع رأسه بها دائما، مضى مايكل وهو مشغول بشدة، إلى أين يذهب؟، ومن أين سينفق؟، يمكنه تدبير عمل لنفسه ولكنه بحاجة لأيام قبل ذلك حتى يجده على الأقل..
أبوه علمه ألا يصمت عن حقه، وعندما أدرك حقوقه الحقيقية وبدأ بالمطالبة بها بدأ الصراع مع والده حول المبدأ الذي غرسه في نفسه..
أليس من حقه العيش في حرية كما..
لم يفكر كثيرًا فقبل أن يبتعد عن منزله بخطوات مزق أذنيه صوت صرير سيارة توقفت فجأة وهبط منها رجلان سارعا بالالتفاف حوله ولم يستطع مقاومتهم، كان جسده هزيلا، لهذا لم يستطع مقاومة اليد التي تلوي ذراعه ولا التي تكتم فمه ولا اللتين تحملانه، فقط شعر أنه دجاجة انحشرت بين أخشاب القفص حين وضعوه في السيارة، رأى أمامه شخصين آخرين، خيل إليه أنه يسمع صوت ضحكة والده من داخل منزل قبل أن تفقد كل حواسه عملها، إثر ضربة عنيفة على مؤخرة رأسه..
وحين أفاق وجد نفسه مقيدًا إلى أحد المقاعد، فتح عينيه فوجدهما تريان، كان يقف أمامه شاويش ضخم، كان مندهشا لأن هذا هو الشاويش الأول الذي يراه في حياته بلا شارب!.
كان يشتم وهو ينظر إليه ويقول:
فتحتي يا روح أمك!.
الشاويش يكلمه بصيغة المؤنث وهو لا يعلم سببًا لذلك، ولولا أنه الوحيد الموجود لما فهم أنه المعنيّ بالحديث، شيء آخر جعله يدرك أنه المقصود، حين فوجىء بقبضة سخية ترتطم بفكه، شعر بالغيظ، ألم الغيظ كبير جدًا مقارنة بالألم العادي خاصة أنه مقيد، للحظات لم يستطع الحديث، ولم يدرك ماذا يقول.
عايزة تبني كنيسة يا روح أمك!.
إنتو مالكم يا ولاد الكلب!!.
لم يدر مايكل لماذا جرى السباب على لسانه، ليس من الذكاء استفزاز الشاويش وهو مقيد، لهذا توقع الثمن الذي سيدفعه وقد كان عددًا من اللكمات كفيل بمداورة رأس فيل..
تساءل مايكل في أعماقه هؤلاء يقتلون الشيوخ والملتحين ويعتقلونهم بتهمة يعرفها الجميع هي إسلاميتهم، ويعترضون على بناء كنيسة!، أي دين يتبعون؟. مع اللكمة الأخيرة سمع مايكل الشاويش يقول:
شفت فيلم إحنا بتوع الأتوبيس!.
دوار يكتنفه فلا يعرف أين يقف الشاويش!.
لكمة أخرى.
-ما تردي يا روح أمك!
بنبرة أثقلها الدوار، قال مايكل الذي رأى الفيلم:
-لا!.
لكمة أخرى.
-خسارة أصل عادل إمام عمل فيه عجين الفلاحة، إنتي هتعملي إللي أسود من كده يا روح أمك..
يفقد مايكل وعيه قبل أن تصل إليه اللكمة التالية، وآخر ما يدور بخلده أن هذا شاويش مثقف حقا..
وحين أفاق مايكل هذه المرة وجد نفسه يرقد في فراش نظيف، قديم ورث ولكنه نظيف، تطلع إلى الحجرة من حوله فوجد منضدة صغيرة فقط بالإضافة إلى سريره وهي كل ما تحتويه الحجرة، بابها مزوّد بنافذة صغيرة مغلقة تفتح من الخارج، فكر في محاولة فتح الباب، ولكنه توقف بعد أنا جال بذهنه أن كل ما سيفعله هو أنه سينبههم إلى استيقاطه واستعادته لوعيه..
أدرك سخافة الفكرة عندما لمح تلك الكاميرا في ركن الحجرة في نفس اللحظة التي كان مقبض الباب فيها يدور ليفتح..
برز من الباب رجلان، أحدهما قوي مفتول العضلات والآخر شاب وسيم تجاوز الثلاثين من عمره بأعوام قليلة، بحث مايكل ببصره عن الشاويش اللعين الذي مازال رأسه يدور من لكماته حتى الآن، ولكن لم يبد له أي أثر..
قال الشاب الوسيم:
-أنا مش عايزك تزعل يا مايكل، الشاويش عبد المحسن اتصرّف من دماغه، هو مقالكش كان بيضربك ليه؟.
ينظر إليه مايكل في حذر وصمت وينقل بصره إلى الكاميرا المراقبة الموجودة فوقه، إلى من تنقل الصورة؟ تخيل والده جالسًا أمام شاشة التلفاز يرمقه في شماتة بعد أن رأى ما كان يحذر ابنه منه وقد تحقق.
-مقليش أي حاجة!.
-افتكر كده..
ينظر إليه مايكل، ويقول وقد استعاد رباطة جأشه:
-قاللي إني حعمل الأسود من عجين الفلاحة!.
ينظر له الشاب في عتاب وهو يقول:
-وقال كمان إنك عايز تبني كنيسة، صحيح الكلام ده يا مايكل؟.
-مش أنا إللي عايز أبني المنطقة كلها مسيحيين ومحتاجين كنيسة، إحنا عشان نروح أقرب كنيسة ساعة بالعربية، على إيه الذل ده كله؟..
سقط التصنع كله فجأة والشاب يقول:
-ليه كده بس يا مايكل؟.
مع لكمة شديدة من الرجل مفتول العضلات لوجه مايكل، كل ما حدث هو تغير ساحة التعذيب، هو الآن حر غير مقيد ولكنه منهك خائر القوى، استفزازهم أكثر سيقتله هو:
-ذل إيه يا مايكل؟ إنتو عيشتكم هنا زي الفل، مش كفاية عمو نجيب، كمان عايزين تزوّدوا أجراسكم في البلد!.
انتظر لكمة أخرى ولكنها لم تأت، فتح عينيه فوجد الشاب يتأمله بذات اللطف المصطنع..
-وإنتو خايفين منها ليه كده؟ إنتو محسسينا إن الكنيسة دية إللي حتوقف دينكم كله..
لكمة أخرى.
-عيب يا مايكل ديننا مش حيقف..
-عشان معندكمش دين!
لكمة أخرى أشد، هنا الرجل لا بأس به فهو يلكم على فترات على الأقل، قال الشاب في لهجة عالية محذرة:
-عيب يا مايكل مش كفاية سايبنكم تعيشوا هنا!.
-متعرفش تعمل حاجة لا إنت ولا جنسك في موضوع عيشتنا، وكفاية إن بلد زي أمريكا فيها أغلبية مسيحية سايبة كام مسلم يعيشوا على أرضها بنفس الحقوق!.
-إنت شكلك حتتعبنا يا مايكل!.
انتهى الشاب من عبارته لينهال مفتول العضلات على مايكل باللكمات والركلات، لم يفقد مايكل وعيه هذه المرة، فقط شعر بأنفه ينزف وبكدمات عملاقة تحت عينيه، مع هذه الكمية من الإصابات لابد من أسبوع حتى يتركوه على الأقل، ما لم تكن هناك إصابات أخرى..
ترك الرجلان وجهه ينزف وانصرفا، كانت المرة الأولى التي يحتفظ بوعيه لفترة منذ خرج من منزله، وإن أثار هذا ذهوله بعد كل هذا الضرب الذي تلقاه..
فوجىء حين وجد الباب يفتح ويدخل مفتول العضلات ليضع بجواره دلوًا لقضاء حاجته، تساءل مايكل عن أهميته إذا كان هو لم يأكل شيئا منذ أيام، شغلته آلامه بنفسه وجسده عن كل ما حوله، كان يشعر بأن الكدمات في جسده لا تساوي ذرة من ألمه الداخلي، ألم بانكساره وهو يرى كيف تخلى عنه أهله وعذبته حكومته لمجرد أنه يطالب بحق صغير من حقوقه..
تساءل في أعماقه عما يعدونه له في الأيام القادمة، ما الشيء الأسوأ من عجين الفلاحة؟..
عجين الفلاحة تلك الرقصة الشيطانية التي على المعتقلين أداؤها وهم راكعون أرضًا، أحيانا تكون الأرض ملوّثة بالزجاج، أحيانا أخرى بالبول ومياه الصرف غير الصحية..
ما هو الأسوأ؟، تقييد ولكمٌ وركلٌ وضربٌ متواصلٌ وفقدانُ وعي، هل سيقتلونه؟ ربما ينتهكونه جسديًا فهم يفعلونها كثيرًا..لا يعرفون أن الاغتصاب والتحرش جريمتان يعاقب عليهما القانون، لا بل هما الآن القانون ذاته!
استبعد هذا الاحتمال الأخير، لأنه يعني تحوله إلى خصم شخصي وهم يبتعدون عن هذا أحيانا، هو أيضا معروف ولإن خرج لتكونن فضيحتهم عارمة، وهم لا يتركون شيئا فادحًا كهذا يمرّ إلا في لحظات انتشائهم، هم الآن مهزوزون مهزومون، وإلا ما الذي يدفع أرفع جهاز أمني بكل رجاله لمطاردته لمجرد أنه يطالب بحق بديهي من حقوقه!.
عاد تهديدهم يلح على رأسه..
ما هو الأسوأ من عجين الفلاحة؟.
-يا رب تكون عقلت يا مايكل..
باغته الصوت وشعر بالباب يفتح بعد قرابة الساعة جائلا في خواطره قبل أن يجد الشاب.
-مش حتقولي عايز تبني كنيسة ليه يا مايكل؟.
ما هذا الغباء؟، هذا الشاب أحمق أو يحاول أن يبدو كذلك، فكر مايكل:
-عشان نصلي، المسلمين بيبنوا جامع ليه؟.
-واضح إن لسانك لسه طويل، يا مايكل أنا بحبك، إنت مسيحي وأقل تهمة حتتقال عليك كله حيصدقها، تحب تتآمر على النظام ولا تثير المنظمات الخارجية ضده؟، أقولك إيه رأيك بلاش ده كله ونلبسك تهمة عادية خالص، سلاح أو مخدرات وصدقني ترحيب الناس بيك في السجن حيكون أحسن من ترحيبنا بيك في المعتقل!.
لست بهذه السهولة أيها الأوغاد، فكر مايكل أنهم لا يستطيعون فعل هذا وإلا لفعلوه..
سيكون هذا ظاهرًا للغاية وستتدخل الكثير من المنظمات الحقوقية باسمه لفضحهم، تساءل عما سيحدث في العالم الخارجي الآن، وهل هناك أي تأثير تركه غيابه؟، حرص ألا يظهر شيء مما يعتمل في أعماقه على وجهه، قال وهو يواجه الشاب ويبدي الاستسلام:
-وأنا إيه إللي ممكن أعمله؟.
-حبيبي يا مايكل..تبطل تتكلم على بابا وتولع الناس وتقولهم يطلبوا حاجات مش بتاعتهم وتفهمهم إنها حقوقهم!.
يفكر مايكل قليلا قبل أن يغمض عينيه في استسلام لمصيره هذه المرة وهو يقول:
-آسف مش حقدر!.
هتف الشاب في صرامة من لا يملك الوقت:
-يبقى تبطل تقولهم يبنوا كنيسة عندنا!.
فتح مايكل عينيه أخيرًا وهو يقول بعد أن ابتسم للمرة الأولى منذ خروجه من منزله:
-موافق!.
غادر مايكل المعتقل وهجر المدينة بأسرها، وظل طيلة حياته يتساءل عما هو أسود من عجين الفلاحة الذي كانوا يعدونه له، وقد برّ بوعده للضابط ولم يتحدث عن بناء الكنيسة في منطقتهم بعد الإفراج عنه قط، بل ظل يطالب طول حياته بأن يكون بناء الكنائس سهلا كالبيوت، في جميع البلاد.
تمت

Thursday, April 30, 2009

عيد ما بيجيش

عيـــد ما بيـجــيــــش


طارق عميرة
كَان نِفسِي في يوم تلاقِيني
دُكتُور بيعَالج مرضَك..
بيكمّل صورة حلمَك
ويفرّح دايمَا قلبك ..
كان نفسِي أكون فِي غيَابك
الحلمْ إللي إنتَا حلمتُه
واللي اتربيت علشَانُه ..
لكن في غيابك بعته ..
ومسَحت كمَان ألوانه ,
معرفتش إمتَى هكمّل
وطريقي أنَا فين همشيه ..
والحلم وسبَبه اتحوّل
مش لاقي في يوم أراضيه ..
والحَال الحلو اتدهوَر
والحزنْ معمّر فيه ..
كان نفسي أكُون واد صالِح
يدعيلَك كلّ أيّامه..
ويصلّي الفَرضْ بفرضٌُه ..
ويشوف أحوال أعمامه
ويزور الكعبَة في مكّة
يمشي يصبّح بسلامُه
يا سلام لو كنت معايا ..
وأنَا كُنت أفضَل متحيّر؟
ولا كان الحال اتغيّر؟
الله لو ترجع تاني
لو ترجع تمسك ايدي
وتاخدني نروح الجامِع
أو نطلَع على بيت سيدِي
الله لو ترجَع تَانِي
كان يبقَى اليُوم يوم عيدِي

Friday, April 24, 2009

زي النهارده من سنة - قصيدة معدلة


زي النهارده من سنه

طارق عميرة


زي النهارده من سنه
كنا في طريق
مالهوش ملامح
ماشيين نخبط
وركبنا سايبة
والدنيا ضلمة
ومافيش فيه لون في الارض فاتح
ومفيش في بكرة اذان جديد
ولا ديك يصيح ولا صبح صابح
وزي بكرة من سنة
كان فيه جديد
النور شديد
والدم في عروقي واصل ابعد وريد
وشعور جديد
مخلي قلبي
سعيد
او كان سعيد
وزي بكرة من سنة
كان الامان
كان الدفا ونور الحنان
كان اللقا
كان كل شيء فات اتنسى
من كام مسا
كان نور عيونك
دنيتي
نا شفت في رموش جفونك
سكتي
ومشيت كتير
لكن نهاية قصتي
دول خطوتين
كل الطريق
لما عيونك غمضت بقى خطوتين
يرجع ورا
كل الأماني
لما عيونك غمضت
اتحولت
حبة رياح متبخرة
كل الأماكن الجميلة
لما عيونك غمضت
صبحت كئيبة
وفي كل ركن منهم
أشياء حزينة
وذكريات
أشلاء قديمة
وقصة من كل القصص
غاوية المشاهدة
ورجعت اقول
زي النهارده من سنه ..
زي النهارده !

Friday, April 17, 2009

عندمـــــــــــــــا مـــــــــــــــــات

عندمـــــــــا مــــــــــــــــــــــــات
طارق عميرة - قصة قصيرة

كانت الأشجار تبدو مخيفة للغاية عندما تراها من بعيد على ضوء القمر، تبدو ككيانات سوداء عملاقة ترهب كل غريب لا يعرف ملامح الطريق وتضاريس أشجاره..
وعلى مساحة واسعة من الأراضي تتبعثر عدة أكواخ من الطين اللبن أو الطوب الأحمر العتيق. كان عدد الأكواخ كبيرًا حتى إن القرية أدرجت في قائمة قرى المحافظة..
كانت القرية قد اعتادت الظلام طول الليل إلا من أضواء القناديل أثناء الصلاة أو داخل المنازل إلا لضرورة قصوى، وقد كان سكان معظم هذه الأكواخ هم كبار السن، فكل الأجيال التالية لهم من أبنائهم وأحفادهم قد هجروا الحياة في القرية الصغيرة ونسوها.
وقد كان سالم أحد هؤلاء الكبار بل كان من أشهر عجائز القرية، كان يصلي فروضه في أوقاتها وكان أشد ما يحافظ عليه من فروض هو صلاة الفجر حتى إن القرية بأكملها كانت تعتمد عليه دائمًا في إيقاظها بصوته الرائع وهو يؤذن ويملأ الفضاء والمساحات الساكنة المحيطة بالأكواخ.
وقد كان سالم بعد عودته من صلاة الفجر يوقظ البعض ممن عهدوا إليه بهذه المهمة، كانت أنفاسه ثقيلة وجسده بالغ النحول والوهن بفعل السن فقد كان يتجاوز الثمانين عامًا بقليل، ولكن عقله كان متقدًا دائمًا ولم يبد خرقا أو كسلا وكأن التغير قد مسّ شكله فقط من الخارج.
دخلت الكهرباء إلى القرية..في خطة حكومية وفي إحدى المرات النادرة أخيرًا امتدت تلك الأسلاك الناقلة للتيارات الساحرة عبر فضاء القرية.
ورغم أن فرحة الأهالي كانت عاتية إلا أن قداسة الظلام في الليل لم يجرؤ أحد من الأهالي على هتكها بمصباح صغير يضاء، كانوا قد اعتادوا الظلام في الليل وألفوه وأنسوه، لهذا لم يستطيعوا جعل النور بديلا له، يكفي الضوء الخافت للقمر في بعض الأحيان.
كان أول مصباح يضاء في القرية ليلا عند صلاة الفجر وقد كان هذا المصباح هو مصباح العجوز سالم والذي يخرج مختارًا أحد مساجد القرية الصغيرة ليشدو بالأذان هناك.
وفي هذا اليوم أضاء العجوز المصباح وخرج إلى أحد المساجد النائية في القرية، وحين انتهى من الأذان وبدأ الناس في المجيء لاحظ تغيب أحد الرجال الذين كانوا مواظبين على الصلاة في هذا المسجد، بعد الصلاة سأل أحد أصدقائه من المصلين:
- أين عم جلال؟..
قال الصديق:
- لا أدري، ربما صلى في المسجد الآخر، كان يحدثني بالأمس عن أنه يود تغيير المسجد لما يقوم به الغمام من تطويل.
شكره العجوز ومضى عائدًا إلى منزله، اعتاد أن يترك المصباح مضاءً حتى تحين لحظات شروق الشمس، وعندها يغلق المصباح بعد أن يكون قد قرأ الكثير من الأذكار ويجلس ليتأمل مشهد الشروق.
مرّت أيام كثيرة والعجوز يضيء مصباحه عند الفجر حتى غيّر عادته فجأة وأضاءه ليلا..
للمرة الأولى في تاريخ أهل القرية البائسين يبدد مصباح الظلامَ بهذه الاستمرارية والقرب، لهذا فقد تشاءم الجميع من الأمر في البداية ولو كان العجوز شابًا أو غير محبوب لكان قد جنى آلاف المشاكل بسبب هذا المصباح المضاء ليلا!
كانت بعض بيوت القرية تستخدم الإضاءة ليلا داخل المنازل فرحين بالتقنية الجديدة لكنهم لم يحبوا تبديد ستار الظلام الدائم قط بالخارج فقط كان مصباح العجوز هو المصباح الوحيد الذي يضاء ليلا لهذا بدأت تسري بين أهل القرية كراهية صامتة للعجوز الذي بدد الظلام وقهره ويستمر في هذا رغم أن أحدًا لم يشاركه هذا الفعل.
كان فعل العجوز شاذا بالنسبة لهم، لهذا صارت كراهيتهم له في ازدياد يومًا بعد يوم وبعد كل ليلة تضاء بمصباحه الكهربائي المشئوم، فكروا في تحطيم المصباح، ولكن تبديله هو أسهل شيء.
كان العجوز سالم يشعر بما تكنه له القرية من شعور ولكنه استمر في إشعال مصباحه..
كان له صديق يلقاه كل فترة من الأيام، قال له في اللقاء الأخير:
- لو أشعلوا النار فيّ لن أطفئه..هو منارة في الطريق ونعمة من الله!..لهذا سيظل يبعث هذا الضوء كل ليلة حتى أموت!
يسير العجوز سالم كعادته إلى صلاة الفجر:
-ألم يحضرْ عم جلال؟..

-كلا يبدو أنه يصلي في مسجد آخر.
هكذا أدى سالم صلاته وعاد إلى منزله ليطفىء المصباح بعد أن يتلو أذكاره وتبدأ الشمس في مد أشعتها، وفي اليوم الثاني والثالث لم يأتِ عم جلال أيضا..لهذا فلم يتعجب كثيرًا حين وجد اسم عم جلال يتردد عبر مكبرات الصوت مقترنا بإعلان عن وفاته، فقط شعر بالحزن يتخلله وبللت دمعة وحيدة خديه، لقد اعتاد الموت كما اعتاد أي شيء آخر، ثمانون عامًا؟ كم مات فيها من الأحباب؟
وبعد صلاة الظهر من ذلك اليوم كان العجوز يتقدم جنازة صديقه، وينظر بازدراء إلى أبنائه وأحفاده الذين أتوا للحضور وكان يتساءل في أعماقه عن الذي أتى بهم الآن..
لقد كان عم جلال يعيش وحيدًا رغم أن له سبعة أبناء، لكن ثلاثة منهم بالخارج وبالتأكيد لم تصلهم الأخبار بعد، بينما يعيش الباقون في المدينة القريبة ولكن أحدًا لا يفكر في زيارته منهم إلا كل حين، ربما تمنعهم مشاغلهم حقا، وربما يمنعهم الملل..
لا أدري لماذا يصل الأبناء آباءهم حين يكبرون في السن وينسون أنهم أصلهم ذاته!؟..
ربما الألم..سميحة العجوز تركتها ابنتها لا تطيق صرخات الأم المريضة بشيء ما في بطنها..
مضى العجوز في صمت الجنازة الذي لا يقطعه سوى صوت الخطوات المهرولة والأفكار المتدفقة في رأسه والتي ستجعله يقتل ابنه المتوفى بعد قليل، ولكن غليانه سرعان ما هدأ بعد أن استقر اللحد في قبره وبدأت الألسنة في الدعاء، وتلاوة بعض الآيات القرآنية. لحظات وبدأ الحضور في الانصراف، لحظات أخرى وانتهى كل شيء..
عاد عم شوقي والحزن يملأ قلبه، لقد مات عم جلال وظل ميتا لثلاثة أيام دون أن يشعر به أحد، وهو ليس الحالة الأولى، إن معظم كبار السن الوحيدين في البلدة يموتون بذات الطريقة، وهو يخشاها كثيرًا، يخشى أن يظل جثة تنتظر الحساب.
اجتمع مع عجائز القرية وفكروا في أن يتطوع شاب من شباب القرية بالمرور على منازل الكبار يتفقدها حتى يمكنهم العلم بخبر الوفاة في وقته على الأقل..
ولكن فسدت الفكرة لأن كل شباب القرية لا يحب الالتزام بل يسعى للخروج منها إلى حيث المدينة وقمة الحضارة بالنسبة لهم. كان يتعجب كيف أنهم يرفضون إضاءة المصابيح في قريتهم وكأنها دنس بينما كل شيء ممكن في المدينة!
كان السبب الآخر لعدم تنفيذ الفكرة هو أن بعض الكبار يسافرون أحيانا وعادة ما يكون سفرهم مفاجأة وفي معظم الأحيان اعتادت القرية هذه الأسفار فلم يعد أحد يكترث لغياب عجوز له أبناء في المدينة أو يسافر لعمل معتاد أو يتغيب لفترات.
فؤاد شخص غير سوي فرغم أنه يفعل كل الموبقات الممكنة إلا أنه يردد كثيرًا أنه يريد تحطيم مصباح عم سالم لأنه يهتك ظلام القرية!، كان عم سالم متأكدًا من أنه يريد تحطيمه لأنه يمنعه من الجلوس في الشارع وفعل ما كان يفعله مستترًا بالظلام..
في تلك الليلة جاء ويبدو أن عقله قد ذهب إلى نزهة ليقف على باب عم سالم ويبدأ في السباب..
لحظات وتناول حجارة قذف بها المصباح فلم تصبه، كان العجوز سالم بالداخل ينصت في برود وكأنه لا يسمع شيئا بينما توالى السباب وصوت قذف الحجارة، ثم سباب آخر، سمع صوت خطوات فؤاد السكير تبتعد واضحة في الليل..
خرج إلى الشرفة فوجد المصباح كما هو لم تصبه رميات فؤاد وإن كان قد أسرّ في نفسه أن يلقن هذا البلطجي درسًا لن ينساه..
جمع الحجارة التي تناثرت في شرفته وألقاها في الشارع مرة أخرى ودخل إلى داخل المنزل يستريح على إحدى وسائده التي يضعها للجلوس حتى يشعر براحة في ظهره..جلس ينتظر صلاة الفجر والصباح، عندها سيؤدب ذلك الحقير فؤاد..
وحين بدد ضوء الصباح أجواء القرية وبدأ الناس في الخروج تساءلوا عن السر الذي يبقي مصباح العجوز مضاءً حتى الآن للمرة الأولى..
انتشر خبر ما فعله فؤاد في القرية وتلقى توبيخا شديدًا من الجميع وأجبروه على السير معهم حتى يعتذر إلى العجوز، وعندما أتوا به عادوا فقد خيبت آمالهم إذ كان المصباح مازال مضاءً..
كانت القرية تسير حزينة كعادتها كلمها شيعت جثمان أحد عجائزها، ولكنهم كانوا يفكرون أثناء سيرهم في الإهانة التي تلقاها العجوز سالم قبل وفاته..
لقد توفي في ذات الليلة، وفي الليلة التالية، كانت جميع الشوارع القرية مضاءة..
لكن أهل القرية حتى اليوم لا ينسون إطفاء المصابيح مع أضواء الصباح الأولى.


Tuesday, April 14, 2009

أجرة السفر من فضلك


أجْرَة السّفَر مِن فَضلِك
طارق عميرة - قصة قصيرة


جالسًا في المترو أتطلع إلى الوجوه التي ألفت معظمها من كثرة ركوبي في هذه العربة في هذا التوقيت، في كل يوم كانت تتغير الوجوه، ولكن هناك أشخاص ثابتون عرفتهم من كثرة رؤيتهم، دورهم في حياتي وكأنها حياتهم وما يعيشون من أجله أن يأتوا ليركبوا معي عربة المترو في هذا الموعد.
أحيانا تكون العربة مزدحمة ولكن يغلب عليها الهدوء والفراغ في أحيان أكثر، ولكنها كانت فارغة اليوم..
ينشط الباعة الجائلون في هذا الوقت ومعهم بعض الشحاذين، أحفظ صورهم عن ظهر قلب كما يعرفها كل الركاب من كثرة رؤيتهم بعد أن اتخذوا من الشحاذة مهنة رسمية لهم..
يُفتح باب المترو في إحدى المحطات، ويدخل إلى العربة عجوز يرتدي جلبابًا متسخًا كبير الحجم ويضع نظارة سوداء على عينيه، كانت هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها..
أغلقَ بابُ المترو ولم يكد يبدأ في التحرك حتى انطلق الرجل في بكاء شديد وهو يتلو آيات قرآنية وبدأ في التحدث عن أنه لا يجد ثمن رغيف الخبز ويطلب المساعدات، كان أداؤه على مستوى عالٍ تمامًا من الاحتراف في إجادة حديث الاستعطاف والبكاء، لهذا لم يكد يتحرك حتى شرع ركاب العربة في وضع النقود بيده!
كان يسير في منتصف العربة يتحسس أمامه والمشفقون يضعون أموالهم في يديه، كنت أقف بعيدًا عن طريقه وأنا أتأمله، لاحظت وجود ساعة في يده، ساعة مع أعمى؟ غريب!
وحين مرّ أمامي حانت مني نظرة إلى جيبه، كنت أظنه يحمل حقيبة في يده ولكن اتضح لي أن جيبه مكتظ للغاية، متكدس بالمال الذي يكاد يطل برأسه خارج جيب الجلباب، هذا الرجل يحمل في جيبه ما يوازي مرتب كل من بالعربة لمدة عام كامل، أصابني الذهول وإن لم أستطع الحديث حتى وهو يكمل طريقه في العربة حاصدًا المزيد والمزيد من المال.
حتى وصل إلى الباب الآخر وهبط المحطة التالية ليقفز إلى العربة التي تلينا، ويعيد الكرة مرة أخرى، بدا لي وكأن الناس يمنحونه المال على عرضه الرائع وتمثيله المتقن شأن من تدرّب كثيرًا على أداء دوره..
شحاذة أخرى أحفظها وأحفظ كلماتها عن ظهر قلب، لن يعطيها أحد شيئا اليوم وهي تمر تستجديهم، العجوز أخذ كل ما يمكن أن يخرجونه من مال.
أتأملها في لا مبالاة، أحترم الشحاذين ذوي العاهات وأعطف عليهم، ولكنني أزدري الشباب والنساء الذين يبدون بكامل نشاطهم وحيويتهم وهم يشحذون، رجل بلا ساق ولا ذراع قد لا يستطيع فعل شيء ولهذا أسبابه، ولكن ما الأسباب التي تدفع شابًا عاديًا إلى الشحاذة؟ لا أعتقد أنه يعجز عن كل الأعمال أو لا يجد ثمنا يسيرًا لإفطار وغداء وإلا كان يعيش في قلب الصحراء!
يتجاوز المترو محطتين أخرتين وأنا أطلع في الوجوه أو عبثا أحاول التركيز في ألعاب هاتفي المحمول المملة وإن كنت لا أجد شيئا آخر أشغل به نفسي طول المسافة.
يقف المترو في محطة ثالثة ويهبط بعض الأشخاص ويصعد شاب وفتاة منفصلين، بادرت الفتاة بحجز أحد أركان العربة بعد أن أدركت أن جميع مقاعدها مشغولة، هكذا استندت إلى الحائط الدكن وعقدت يديها على صدرها وشردت ببصرها إلى النافذة بينما تقدم الشاب قليلا إلى وسط العربة..
كان يرتدي ثيابا غالية، لكن ملامحه نحيلة وكأنه لا يلتهم طعامًا أبدا. بشرته بيضاء، يبدو بريق غامض في عينيه، لم يتحرك الشاب خطوة بعد أن وصل منتصف العربة، كان يقف حوله عدد من الشباب، راقبته وهو يتجاذب أطراف الحديث معهم وانتابني الفضول لمعرفة ما يتحدثون فيه وسرعان ما نقلت بصري إلى آخرين..
عندما عدت ببصري إليه كان يقف مع آخرين، يتبادل معهم ذات الحديث الهامس والآخرون ينصتون، وأحدهم يردد كلمات مقتضبة أو يسألونه سؤالا قصيرًا من آن لآخر.
شرد بصري للحظات وأنا أراقب المترو يتوقف في إحدى المحطات ويصعد ركاب آخرون بينما يهبط القليل.
أفقت من شرودي لأجد ذلك الشاب النحيل واقفا أمامي ينظر إليّ، قال:
هل تسمح لي بمحادثتك قليلا؟..
تفضل..
أنا من بلد بعيدة ولا أملك أجرة السفر وكنت أود أن تـ...
قاطعته:
للأسف لا أملك أي مال!
في لحظات نظر لي صامتا قبل أن يتوجه إلى آخر، كان سيقول إنه يريد استلاف أجرة السفر على أن يردها فيما بعد، لقد صاروا كثيرين هذه الأيام وهي طريقة جديدة في النصب وإن كانت قد تكون حالة حرجة حقيقية، أنا نفسي جرّبت أن تضيع حافظتي في مدينة أخرى وكنت سأفعل نفس ما يفعله هذا الشاب..
راقبته فلمحت الخيبة ترتسم على وجه من يحدثه، ابتسمت بدوري، لقد ملأ هؤلاء البلاد وإعطاؤهم يزيد من عددهم بصورة ملحوظة.
أخيرًا وصل المترو إلى محطته الأخيرة لم يفتني أن ألمح الشاب يهبط خائبًا بعد أن عجز عن انتزاع قرش من أي شخص ولكن فاجأني أن ألمح دمعة صامتة تسيل من إحدى عينيه..
هذا الشاب صادق، بالتأكيد صادق وإلا فلماذا يبكي؟، أنا أيضا كنت صادقا، لا أملك أي مال أعطيه له..
السيدة البدينة التي تشاجرت معها ذات مرة تهبط هي الأخرى، وأهبط أنا، أميز الشحاذ العجوز الذي يتظاهر بالعمى يتحسس طريقه إلى خارج المحطة ويرفض أن يأخذ بيده أحد إلى الخارج..
علمت أن سبب الرفض أنه غاضب لأنه تشاجر مع أحد الركاب الذي اتهمه بالنصح بعد ما رأى حجم جيبه..
ألمح كذلك بعض الوجوه التي ألفتها، أقف على الطريق بعد أن خرجت من المحطة وأنتظر سيارة أجرة خاصة لأستعملها إلى حيث سأذهب، ألمح الشحاذ العجوز يعبر الطريق متجاهلا السيارات معتمدًا على تظاهره بالعمى، يبدو أنه كان أعمى فعلا..
لأن جسده طار في الهواء قبل أن يستقر في منتصف الطريق إثر صدمة من سيارة عابرة.
سيارة لم يتوقف صاحبها الوغد ثانية واحدة ليلقي نظرة على ما فعله، صحيح أن الخطأ ليس خطأه ولكن فعله نذالة لا شك فيها..كم أكره الشحاذين وكم أكره النذالة أكثر.
صرخات متقطعة! انطلقت من عدد من الاتجاهات ممن شاهدوا الحادث ولكن أحدًا منهم لم يجرؤ على الاقتراب من الجثة.
أدرت بصري بينهم فوجدتهم مازالوا في ذات حالتهم من الفزع بينما يحاول أحدهم يدّعي الذكاء الاتصال بالإسعاف..
في جرأة اتجهت إلى الجثة ونزعت عنها الجلباب وأنا أأمر أن يأتي أحدهم بملاءة هكذا لم تمض دقيقة حتى كانت الجثة مغطاة بخمس ملاءات وأنا أبتعد حاملا جلبابًا ثمينا..
ابتعدت بما يكفي فحانت مني التفاتة لأجد الشباب الذي كان يبحث عن أجرة السفر جالسًا بثيابه الأنيقة على أحد جوانب الطريق ويضع رأسه بين يديه.
ترددت قليلا قبل أن أتوجه إليه وأمد يدي في جيب الجلباب لأقبض قبضة من المال، وضعتها في يده فقبض عليها بشدة..
وأكملت طريقي وأنا ابتسم..

Wednesday, April 08, 2009

الطَرِيقْ إلى وَغْدِستَان

الطريق إلى وغدستان

طارق عميرة
قال الوغد الكبير الذي يحتل منصبَ رئيس دولةٍ ما على إحدى منصاتها :
- وأنا أعلن إن دولة وغدستان هي دولة شقيقة بالظبط زيها زي الدول العربية , معاهم في نفس الحيز وبتعيش معاهم بالاساليب المثلى والقيم العليا .. عشان كده فالرئيس بتاعهم حبيبي , دول منتهى التمدن والحضارة , وهوا راجل ذوق جدًا .. it's my love
هنَا وللمصادفة أو للقدَر قام أحد الهاتفين يردد بأعلى صوته ويردد الحاضرون خلفه :
تحيا دولة وغدستَان , الدنيا خوف وهيّا أمااااااااان
انتظر الرئيس الوغد حتى انتهوا من هتافهم قبل أن يتَابِع :
- وكمان هنعمل معاهم تعاون اقتصادي خطير هيخسرنا الثروات القوميـــ... عفوا الثروات الصغيرة ويكسبنا طبعا ثروات كبيرة أكبر بكتير , احنا في بلد رأسمالي حر دلوقتي يقدر الأب يبيع ابنه , ليه الناس مش قادرة تفهم وقارفيني؟
نظرَ إليه الحاضرون في سرور مبالغ غير مصدقين أنه بالفعل نجح في ذلك , واااااااااااااااااااااو , يا للروعة , فتابع في حماسَة :
- والله وما ليكم عليا يمين , انا كنت ناوي اعملهالكم مفاجأة في برنامجي بتاع انتخابات 2017 , واقولهالكم في الاعلان بتاع التلفزيون بس أنا قلت يا وغد ما تبخلش على شعبك حاجه , مين عارف مش ممكن ربنا يتوفاك بكرة ويسألك عن الشعب ده وراعيته ولا لأ ؟ لازم ساعتها ترد عليه وتقوله : انا سبت السلام لشعبي , عملت اتفاقية مع وغدستان واديتهم كل حاجه ببلاش , أصل وغدستان دي دولة وغدة ربنا يكفيكم شرورها
قال أحد اللذين لا يفقهون شيئًا :
- ازاي يا زعيم , دي متجيش واحد على خمسة واربعين من مساحة بلدنا
قال الوغد الكبير :
- عشان بس انت لا تفقه اي شيء في الحياة , الموضوع له ابعاد اخرى انتا مش هتشوفها , وما يشوهفهاش الا زعهيم وقائد زيي .
ثم تابع الزعيم :
- وأنا إذ أهدي شعبي الهدية العظيمة دي فده بس عشان يفتكروني , عشان يعرفوا قيمتي وقيمة اللي بعمله عشانهم
قال أحد اللذين يفقهون :
-يا ريس انتا بقالك كتير ننساك ازاي بس , كل اللى عنده اقل من تلاتين سنه مولود في عهد سعادتك وتقول مش هنفتكر , هنفتكرك يا ريس , هنفتكرك قوي قوي .. تكفي انجازاتك العظيمة المعبرة .. زي كاس الأمم الافريقية اكتر من مرة وكاس الأهلي للاندية ولا ننسى مجهوداته عظيمة من اجل نادي الزمالك المناضل والحصول على المعونة الأمريكية لمدة تسعة أعوام على التوالي.. وتشريف مصر بأنّها خارج نطاق تنظيمات كأس العالم الكروية المزعجة .
دوّى تصفيق حار في القاعة بينما كاد الرئيس يبكي تاثرًا وهو يشعر بفضلهِ العظيم على الشعب الوغد الذي لا يقدّر ما يفعله من أجله ..
قال الزعيم وهو يكمل تصريحاته النارية المفزعة :
- أوغاد .. الأوغاد هم اللذين ينفخون في النار , ولا يرون في اللي بعمله عشانهم أي قيمة أو قدر من الاصلاح الاقتصادي , وهذا تجاهل متعمّد لدوري الذي حاولت أداءه على أكمل وجه .. لقد صار الخبز متوافرًا في جميع مناطق الجمهورية .
تصفيق أخر قبل أن يتابع الوغدُ الأكبر :
-وإنني اذ بسيبهم يبثون سمومهم بين الشباب فهذا لا يعني اننا غافلون , لا انا لست بريالة بل أدري تماما ما يحدث في جمهوريتي الصغيرة ولكنني أتغاضى عنه من باب محبتي مع أبنائي ..
قالها وهو يبتسم إثر احساسه بحموضة بينما نهض الجميع يصفقون في حرارة شديدة ويصفر آخرون وقال أحد اللذين يفقهون :
- بك نستعيش .. بك نستموت ..
كنا سمكة .. بك صبحت حوت ..
بينما ردّد المعاتيـــ..الحاضرون الهتاف وراءه كان الرئيس يستعد لانهاء خطابه قبْلَ أن ينصرف ولكن فاجأه قول أحد اللذين لا يفقهون شيئًا :
- يا ريس .. انتا بتسمي العيش اصلاح بعد تلاتين سنه سرقة وقرف .. حرام عليك يا ريس ..
أجاب الرئيس وهو يتابع الضربات التي يتلقاها الذي لا يفقه :
- يا ابني مش كده , ده اسلوب مش حضاري وما ينفعش , عندك مستند قدمه للمحكمة مش عندك ما تقدموش , هوا انتا اسمك ايه ؟
- هممممممف
- نعم ؟
يصرخ :
- مش عارف اتكلم .
قال الرئيس للحرس اللذين ادرك أنهم يضربون المواطن بعد أن خرقوا احدي عينيه وكسروا انفه و أحرقوا جبهته وصموا أذنه وطبخوا ذراعه :
- ليييييييييييه كده ؟ ده اخوكم يا ولاد .. ازاي تعملوا فيه كده .. سيبوه .. انا ما قلتش كده ..
ثم تابع الرئيس في حكمة :
- هوا فاهم غلط , انا دلوقتي هفهمه الصح , يا ابني لو عندك مستند هاته معندكش ام مستند ما تتهمنيش بالسرقة وانا هرفع عليك قضية في المحكمة زي الناس الشرفا والقاضي هيجيبلي حقي .
وقبل ان يتم عبارته كان الذي لا يفقه قد صار في خبر كان فالقاضي لن يحكم بأقل من الاعدام على أية حال وقد نفذوا الحكم بطريقتهم في حين تابع القائد :
- أنا مش عايزكم تمشوا ورا الاعلام الوغدستاني المتخفي في صورة عربية وبيشتم في نفسه .. لا دول عايزينكم تعملوا حرب معاهم عشان يضربوكم وده ايمبوسيبل في عهدي , صحيح انني لا اركع الا الله , لكن هنركعوا كتير لغيره يعني
, فاكرين لما وعدتكم انه لا تستر على فساد ؟ آهو الفساد بقه واضح زي الشمس لما بقينا فسادستان , ولعلمكم فسادستان مش ساكته .. ما تفكروش ان موت الاخوة سهل علينا برضه .. احنا بنضغط على وغدستان .. بنضغط عليها بشدة , بعنف , وهيا بترضخ صراحةً لضغوطنَا .
وصمت للحظات قبل أن ينتبه إلى أنه يريد الحديث بخصوص نقطة أخرى فتظاهر بأنّه خطير كزعماء المافيا ومال على الكاميرا التي تصور خطابه وهو يقول :
- الصحافة المغرضة اللي بتاخد تمويل من الموساد والسافاك والمكتب الخامس البريطاني والتاني الفرنسي والسيكوريتاتيا والكونجرس و المافيا والمنظمات اللي موجودة في قصص أدهم صبري و عايز اقولهم اني عارفكم واحد واحد , انتم اللي افسدتم ابنائي اللي بتغاضى عنهم وانتم اللى افسدتم افكار شعبي الحبيب , والحيوان اللى همسكه منكم هحوله لمحاكمة عسكرية وأعدمه رميًا بالشباشب .
قام أحد رؤساء صحف فسادستان القومية يهتف :
سيبوا رئيسنا الوغد في حاله ..
قبل ما يشتري روحكم ماله ..
وردد الحضور الهتاف في حماسة قبل أن ينقضوا على الوغد الأكبر ويرفعوه فوق الأعناق اونقض عليه أحد اللذين يفقهون وهو يقبل قدميه في شدة ويقول :
- انتا بركة يا زعيمنا .. باركني ابوس رجلك .
- منتا بوستها !
- باركني يا زعيم ..
يطلق الحرس النار عليه فيسقط على الأرض من فرط سعادته بنشوة المباركة التي منحهُ إيّاهَا الزعيم الوغد , في حين يهبط الزعيم الوغد عن كرسيه ويتجه صوب الباب , ليعود بعد أن أنهى المؤتمر العملاق الذي صنعه ليقابل شعبه الحبيب الذي يعشقه بعد أن أعطى كل واحدٍ من الحاضرين مبلغًا من المال .
في المساء اجتمع المجلس الوغدستاني للثقافة والصحافة والآداب وهم ينظرون فيما عليهم فعله لنشر التصريحات الرهيبة الكاملة للوغد الأكبر, وقد كانت حيرتهم بالغة فهو تارة يقول على وغدستان حبيبته وتارة أخرى يسب فيها وحلفاؤها لأنهم أفسدوا شعبه هكذا لم يعرف الجميع ما يفعلون فأنهوا اجتماعهم وقد قرروا أن يكتب كل منهم ما يريد , لهذا فقد جاءت أخبار اليوم الثاني رائعة ولنأخذ جولة فيها
* جريدة الأجرام الفسادستانيه :
كتب رئيس التحرير : سلامة سرايا - صورة لرجل أصلع مبتسم بشدة وخلفه يبدو 4455445541112122552كتاب
عنوان كبير يلتهم ثلثي الصفحة
الرئيس : وغدستان my love
بخط صغير قليلا : الرئيس يشيد بجهود وغدستان للسلام ويدين الارهابيين الفلسطينيين .
صورة للوغد الأكبر وهو يتظاهر بأنه أسد وأنه رئيس
صرح رئيس الجمهورية الأمس في تصريحات بالغة الجرأة أنه أهدى سعبه اغلى هدية في الوجود وهي السلام , حيث أن اسرائيل تمتلك تسعة آلاف قنبلة نووية وتسعين طيارة اباتشي و6 قنابل يدوية ومدفعين اباتشي مضادين للدبابات وهذا يعني أنا ما فعله الرئيبس الفسادستاني حفظه الله يعدّ إنجازًا حضاريًا كبيرًا في السلام لو أنني مكان السويد لاديته جايزة نوبل .
* من قصيدة في صفحة الشعر بنفس الجريدة : للشاعر عبد الرحمن الأبنوسي
وبعد الدم وبعد الشهادة ..
جالوا السلام
وجال رئيسنا معاهم سلام
وجلنا كشعب
احنا بنسامح
وبننسى امبارح
وجلنا السلام
وجال الرئيس
يالله السلام
وجالوا السلام
يا سلام يا سلام
* من قصة كتبها الأديب الكبير "عباس حسانين " نشرت في جريدة أخبار اليوم الفسادستانية:
وعلى الشاطيء بعدَ أن أنقذهُ من الغرق :
- منين الأخ ؟
-وغدستان .
- أخوك ابوسمرة من فلسطين
وصاروا اصدقاء وعاشوا في تبات ونبات واتجوزوا اتنين اخوات وخلفوا صبيان وبنات
* من جريدة روزالوغد الفسادستانية / جزء من مقال رئيس التحرير كرم وغد :
حكمة الرئيس المتدفقة وعقليته المتفتحة هي من وضعتنَا في مقدمة الدول التي تسعى نحو التطور والانطلاق فبمبادرته الجديدة للسلام مع وغدستان بعد سقوط أكثر من 1300 شهيد يكون بهذا قد ضرب أفضل المثل في التسامح والرقي في التفكير ومحاولته الدؤوبة لايقاف شلالات الدم المنهمرة .
يُذكر أن الرئيس اتخذ هذا الموقف بعد فترة طويلة من تدبر الأمور وكان الشعب يتهمه بالخيانة والعمالة غير مدركين أنه يفكر في مصلحتهم ومن أجلهم , عموما حصل خير .
* من المقامة الوغدستانية بقلم الأديب الكبير قرطاس ترمس : وبينمَا أنا اواجه الثعبان , إذ ظهر لي رجل فأشعرنِي بالأمان , قتله ببوكس في العينَان , ونظر لي وقال , أنا من وغدستان , قلت له في سرور , وقد ملأني حبور , الوغدستانيون قوم لطاف , بدمهم خفاف , لو لم يكن بيننا صلح لأصبنا بالجفاف ولعشنا على الكفَاف .
إلا أنه بعد كل هذه الأخبار الرائعة كان هناك قلق كبير يتزايد في عقل رئيس المجلس الوغدستاني للثقافة والصحافة والآداب , فجمع الصحفيين والاعلاميين والأدباء مرة أخرى وعقد المؤتمر الخطير وقال :
- ليلتنا سودا ان شاء الله .. نعمل ايه لو كان الرئيس قصده فعلا ان وغدستان وحشة عشان العملا اللي بيقبضوا منها والمدسوسين بتوع امريكا .. احنا لازم بكرة نهاجم عشان نثبتلهم اننا صاحيين
اليوم التالي :
* جريدة الأجرام الفسادستانيه :
كتب رئيس التحرير : سلامة سرايا - صورة لرجل أصلع مبتسم بشدة وخلفه يبدو 4455445541112122582كتاب
عنوان كبير يلتهم ثلثي الصفحة : إننا نرصد العملاء
بخط صغير قليلا : رحمة الرئيس .. الرئيس يترك الخونة والعملاء حتى لا يثير الفتنة .
* عنوان من الأجرام ويكلي
peace in Wag'dstan
* من جريدة يديعوت أخرونوت الوغدستانيه :
جلعاد شاليط ارؤييل شارون ايهود اولمرت تل أبيب .. معاريف شالوم .
ثم كتبت الجريدة بعد أن فرغت حصيلتها من الكلمات الوغدستانيه
فسادستان از اور برازر
وكان الوغد الكبير رئيس دولة فسادستان يتابع هذا في رضا مقتنعًا بما يقرأه , ما أعظمه , ينظر إلى نفسه في المرآة ويقول :
- كنتي هتعملي ايه يا فسادستان من غيري .. دنا خسارة فيكم يا كلاب , لو تعرفوا اللى بعمله عشانكم ..
ثم تذكر امرًا هامًا فاتصل بمدير أعماله :
- حولت الفلوس على سويسرا ؟
- كلها يا ريس .
- تمام .. كام كده ؟
- البنك بيقول ان رصيد سعادتك اكبر من بقيت الفلوس اللى حاططها بقيت الزباين .. ما تفتحلك بنك سعادتك ؟
- لا لا !
ثم أغلق الهاتف ونظر إلى نفسه مرة أخرى في المرآة بارتياح ..الآن يمكنه أن ينام ويضع في بطنه بطيخة صيفي , لقد لقد فعل كا ما يريد فعله , سينام .. هاااااااااااااااااااااوم
أثناء نوم الرئيس .. ساد الهرج والمرج في جرائد المعارضة سواءًا الفسادستانيه أو الموجهة إلى وغدستان , واتهمه رؤساء تحرير حمقى بالعمالة وتجرأ قاضٍ وأعلن أنه خائن بينمَا جاءَت الكارثة المتمثلة في عضو مجلس شعبٍ أخرق حاول تقديم طلب بمحاكمة الرئيس وتصديره البازلاء إلى وغدستان .بل والأدهي والأمر أن هناك شرذمة من المنتسبين إلى الأقليات تحدثت إلى الإعلام العالمي وخرجت في قنوات مثل الجزيرة والسي ان ان والبي بي سي والواشنطن بوست وجريدة الحياة اللندنية والدبليو سيهناك ذلك الوغد الذي اتصل على المذيعة الوغدة في القناة العميلة التي تديرها أمريكا و وغدستان وكل الدول التي ريد الاضرار بفسادستان , لقد قال الوغد :- أخذه الله , فضحنا ابن ال*&&** قدام العالم كله, أين ذهبت كرامة العرب , فين كرامة الشعوب , طب الشعوب المبسوطة مبسوطة .. الشعوب الفقيرة التي لا تنعم بالأمان بينما يغسل رؤساؤها شعورهم ببيرت بلاس , هما فييييين؟يضيف الوغد بعد أن يتظاهر بأنه متأثر :- عايز اقول بس ان موقف الشعوب ظهر في المظاهرات ولو كان ينفع نعمل اكتر من كده كنا عملنا , بس هنعمل ايه , آدي الله وآدي حكمته , عمرك شفت حكومة تفتح التبرعات لغزة وتنزل في جرايدها القومية صور ومقالات تحث على كراهيتها ونبذها وحرقها وضربها بالشباشب ؟
وفي جريدة الطرطور الفسادستانية كان العنوان الرئيسي هو :
وغدستااااااااااااااااااان .. سلام شائك .
كتب رئيس التحرير : ابو خليل عيسى
إن معنى هذا السلام الذي حدث مع وغدستان ويصر بعض قادتنا على إتمامه رغم أنه محفوف بالدماء وخيانة العهود ونقض المواثيق , أن هؤلاء القادة قد قبضُوا الثمن , وهم لا يحتاجون إلى المال , فماذا يمكن أن يكون الثمن ؟ بالتأكيد المزيد من قمع حرياتنا والمزيد من نهب ثرواتنا وإخذ الضوء الأخضر لإتمام ما بدأوه من فساد , أم ان الثمن هو عدة أجولة من البن البرازيلي ؟
لهذَا فعندمَا استيقظَ الوغد الكبير في اليوم التالي لم يجد يومهُ سارًا لأن صحف المعارضة قد قلبت حياتهُ إلى جحيم , في لحظات وجد نفسه لص ووغد ونصاب وخائن وعميل وسفاح وحرامي بل وصلت دناوته إلى أنه يسرق الملابس من على الحبال ليلاً ..
هكذا كتبت إحدى صحف المعارضة المغرضة التي لا يدري من اين تخرج , على أيّة حال سيكون أمام رئيس تحريرها شوطٌ طويل قبل أن يمسك بقلمٍ مرّة أخرى.
فكّر طويلاً في اي رد فعلٍ يتبعه قبل أن يقرر أن يبدو بطلاً هذا الأسبوع فاتصل بالقناة الفسادستانية الاولى وقال :
- انا هطلع عالتلفزيون بعد شوية عشان اقول خطاب تاني وارد على المعارضة المغرضة والكلاب مدفوعين الأجر
وأغلق الهاتف بينما انقلبت القناة الأولى إعدادًا لخطاب الوغدِ الكبير ..
لم ينس الرئيس أن يتصل بزوجته وهو يقول :
- ابقى شوفيني في التليفزيون هطلع بعد شوية .
- والله صحيح ؟
- آه والنعمة .
واتجّه إلى القناة ألأولة وبعدما تأكد من إعداداته وراجع نفسه وتأمل سواد شعرهِ وخفة دمه ووسامة وجهه واناقة بذلته وقف يقول في بث مباشر :
- أكدت من قبل ان السلام مع وغدستان افضل من الحرب , ولكن بعض المغرضين يتهمونني بالخيانة والعمالة , وانا حاي اثبتلكم بالدليل القاطع
إن إحنا دولة قوية ومش خايفين من حد وانا لا أركع إلا لله , واي اعتداء على السيادة الفسادستانية يمثل اعتداء علي شخصيًا وهو يعني الحرب بلا تباطؤ ولا تمايع ولا استهبال , والحرب جاية في يوم بيننا أكيد , والدين قالك ايه ؟ واعدوا لهم ما استطعتم .. وفي حرب اكتوبر كان الايمان القوي للجنود مسلمين ومسيحيين السبب التاني في نصر بعد الضربة الجوية بتاعتي
انتوا نسيتوا الضربة الجوية ؟ مش ده كانت على وغدستان برضه ؟ عشان تعرفم ان السلام غصب عني بس احنا بنبني في الاقتصاد وفسادستان تسير في مسيرة الاصلاح الاقتصادي إلى الامام .. وصلت درجة تقدمنا 2 ريختر بعد 28 سنه .. وبعد ده كله تتهموني بالخيانة
وكاد الرئيس يبكي تاثرًا بينما بكى المخرج والمنتج والمذيعة التي لم تكن موجودة وكل من شاهد البرنامج وكل من لم يشاهده واتجه بعض المحامين لرفع قضية على كل من اتهم الرئيس بالخيانة بينما خرج الرئيس من مبنى القناة وهو يجد جماهيرية عريضة تحمله على الأعناق وقد آمنوا أن فسادستان قوية مخلصة وانها ستدافع عن نفسها , وانه سيعلن الحرب على وغدستان عندما ينتهي من الإصلاح الاقتصادي .

النهاية.

Saturday, April 04, 2009

مقبرة الغزاة .. ومذبحة الديمقراطية في كفر الشيخ

ما حدّث ويحدث الآن في محافظة كفر الشيخ هي أكبر مهزلة يصنعها النظام المصري , وأكبر فضيحة للديمقراطية في عصر مبارك , ويعني بشدّة أن اضطرار النظام لاستخدام مثل هذه الأساليب الغير مشروعة الهزيمة السياسية البشعة للنظام الحالي وهي واضحة منذ فجر انتخابات شعب 2005
تعالوا نعرف أولاً معا ماحدث ويحدث في كفر الشيخ ..
المناسبة : 6 ابريل 2009 يوم الاثنين المقبل .
الذكرى : ذكرى ثورة المحلة الكبرى والاضراب الشامل لأهل مصر في العام الماضي ..
البداية :
أثناء تواجد سارة رزق وأمنية طه مع أحمد الغيطي أمام جامعة كفر الشيخ قام حرس الجامعة بقيادة الضابط هيثم الهياتمي بتوقيف الفتاتين والاعتداء عليهم بالضرب بعنف على الرأس أمام المواطنين حتى وصلت سيارة شرطة أدخلوا الفتاتين عنوة بداخلها مع صراخهم واستنجادهم بالمارة وتوجهوا بهم مباشرة إلى مبنى أمن الدولة واستمر الضرب والاعتداء بوحشية في أمن الدولة بيد الضابطين محمد عبد الرحمن وعباس اشرف سعيد
كان هذَا منذ ثلاثة أيام ..
توجهت أفراد الأحزاب والمنظمات والمعارضة المصرية إلى كفر الشيخ على مدار الايام التالية وحتّى الأمس ..
وقد زرتهم بالأمس فوجدت القليل منهم معتصمين أمام المحكمة في كفر الشيخ , وقفنَا قليلاً وعدت لظروف طارئة في التاسعة مساءًا على وعد مني بأن اعود لهم في صبَاح الغد ..
الغد الذي هو اليوم ..
ما حدّث معي شخصيًا عندما ذهبت فوجئت باتصال بأن جميع من هنَاك تم اعتقالهم ..
في حملات اعتقال عشوائي صاحبها ضرب للنسوة العابرات و القبض على بعض الابرياء , وفي مدينة كفر الشيخ وقبل المحكمة بشارعين أتاني الاتصال ..
- لف وارجع تاني .. الموضوع مش مستحمل وكل اللى هناك اتشدوا ..ومش ناقصين جهعات تانية نحارب عليها !
كان من أحد المحامين اللذين دخلوا بقلب أسدٍ للدفاع عمن تم اعتقالهم , والطريف في الموضوع أن المحامي تم اعتقاله بعد الاتصال بنصف ساعة تقريبًا !!
أتاني اتصال آخر بالعودة إلى مقر حزب الجبهة في المحلة لحضوراجتماع مع د.أسامة الغزالي حرب وبعض القيادات والنظر بشأن هذه القضية..
وما زالت أجهزة الأمن تمارس كل عنفها وأساليبها القمعية في اعقتال المواطنين العشوائي - كأحداث السادس من ابريل السابق للمحلة - واعتقال كل من ذهب معترضًا أو منددًا بحبس الفتاتين أو كل من طالب بحقوقهعم وحاول السؤال عنهم .. وهذا يقودنا إلى سؤال آخر .. لماذا يخشى النظام 6 ابريل إلى هذا الحد - أعتقلت الفتاتان غالبًا خوفًا منه - ؟
من حقي أنا شخصيًا أن أطالب بإضراب من أجل مستقبل أفضل .. من أجل أن يزيد مستوى الدخول ويكف المصري عن سب مصر ولعنها والبحث عن فرصة للانطلاق خارجها , ليتزوج الشباب ولبعمل و ولينعم بحريته التي خلقه الله بها لا عبدًا لأحد ولا مطأطأًا رأسه لكلب من كلابهم
ليبحث الشباب عن ثمن لرغيف العيش الذي عانى أهاليهم بسببه الأمرين , وليجلب لنفسه حرية مفقودة يستطيع من خلالها البحث عن حقوقه التني تنهبها الدولة عيانًا بيانًا دون خشية او استحياء ..
ما زلت داخل مقر الحزب في المحلة وما زال الأمن يحاصر المقر بسيارات تحتاج إلى عشرة كتائب من الكوماندوز على الأقل لمواجهتها وما زالوا ينظرون إلينا في وقاحة ..
وربنا يستر ..

كتب للنشر في ساعته ..
من داخل مقر الحزب

قائمة الشرف
عن جروب ستة ابريل يتضمنون أصدقائي وهناك من لم يسجلوا بعض لعدم رصدهم ..

شمس الفخاخرى
نور الدين حمدى
مدحت شاكر
محمد عواد
احمد النديم
دعاء محمد
سارة رمضان
احمد الغيطى
سالم عوض
محمود رزق.....
شقيق سارة رزق
كريم سليم
جيهان محمد.....محامية
محمد السباعى.........محامى
عمرو ابو العينين
بسمة محمود.......محامية
علياء محمداحمد ابو عيطة
وهناك اصابات بالغه ببعض اعضاء الحركه نتيجه الضرب المبرح من عناصر الامنوهمشمس الفخاخرىودعاء محمدونور الدين حمدىوبسمة محمودوجيهان محمدهذا وقد تم خطف حوالى 25 مواطن عادى وضربهم وسحلهم فى الشارعوكان هذا العدد من اعضاء حركه 6 ابريل اعتصموا امس من الساعه الثانيه صباحا - كان الاعتصام بادئًا من السادسة مساءًا على الأقفل حين ذهبت ولكن نقلت الاقتباس كما هو - وقد تم تطويقهم من قبل قوات الامن وامن الدولة وعندما علم اعضاء الحركه المعتصمين بقرار تجديد حبس سارة وامنيه 15 يوم قاموا بقطع الطريق المؤدى من المحكمه الى القسم ومقر امن الدوله مع ترديد هتافات ضد الظلم وحبس الفتاتان وفى هذه اللحظه انهال الامن عليهم باضرب وجرح العديد منهم وسحل البنات فى الطريق
قائمة القرف

عفيفي النجار ، مدير إدارة البحث الجنائي بكفر الشيخ
هيثم الهياتمي ، مفتش مباحث بمديرة أمن كفر الشيخ.
أحمد سكران ، رئيس مباحث بندر كفر الشيخ أول
محمد خميس ، ضابط أمن الدولة بكفر الشيخ.
مقتطفات من موضوع الجروب :

وكانت صدمة كبيرة للمحامين حينما توجهوا إلى مكتب المحامي العام لنيابات كفر الشيخ لتقديم بلاغ في واقعة الاعتداء عليهم ، حيث فوجئوا به "المستشار أحمد طلبه" يحتد ضدهم ويوبخهم على حضورهم من القاهرة للدفاع عن "طلبه بايظين" على حد قوله ! ورغم أن رئيس نيابة كفر الشيخ قد قبل البلاغ - أي ضد الضباط المسؤلين - وأخبرهم أنه سوف يبدأ التحقيق به ، إلا ان المؤسسات الحقوقية سوف تطلب نقل التحقيق إلى مكتب النائب العام بالقاهرة ، نظرا لأن المحامي العام لكفر الشيخ بإعلانه عن موقفه وإنحيازه ضد الطلاب والمحامين ، أصبح في موقف الخصم ، مما يجعل المؤسسات الحقوقية لا تأمن للتحقيقات اذا جرت تحت إشرافه.

Monday, March 16, 2009

تباريح

تـــبـاريــــــــح مـــحـــب
طارق عميرة


(1)

كنت وحيدًا
ماتت أمى ..
تركتنى أبحث عن صدى دعواتها
أذتكر غدواتها وروحاتها
أفتقد دفء أحضانها
يا الله
كم أوحشتنى ابتساماتها
كنت وحيدًا
حتى قبل أن تتركنى أمى
لم أكن أجرؤ أن أخبرها بما فى خلدى
أغتاظ وأعض شفتى..
ألا يوجد مستمع لا يتأثر؟؟
ألا يوجد صديق لا يتأخر؟؟
أغتاظ أكثر..
أكتم مواجعى فى كبدى
وأنزف داخلى دمى
وأنتظر حتى آخر قطرة
نهر الدم
ونهر الدمع
متى تأتى لحظة فيضانهما؟

(2)

كنت وحيدًا
اعتدت علامات الوحدة
نهار بلا نهار
وفى الليل السهرة
قلما ولفافة ورق وخواطر
يجاورها كوب من القهوة
أكتب آلامى لروحى
أكتب أوجاعى وجروحى
وأسلى نفسي البلهاء
أخرج أفجاع النهر
قبل أن يفيض فيغرقنى
الورق صديقى
يحمل أوزارى و همومى
يحمل ذكرى أيامى السوداء
لكن مرأى الورق الأبيض
صار مملا
صارحت الورق بهذا الشعور
وطلبت منه ايجاد البديل
لكن الورق الأحمق
طلب الاجابة من قلمى
بالله عليك لو وجد القلم البديل
هل كان ليسألك اياه؟

(3)

تنصلت منى أوراقى
مللتها فمللتنى
رفضت مساعدتى كما كانت تفعل من قبل
تأملت القلم
لقد ألقت عليك الأوراق بحمل ثقيل
أفتستطيع ايجاد البديل؟
حاول قلمى..
حاول الكثير وكتب الكثير
لكن كل كتاباته جاءت متعثرة
يرفض الورق التعاون
لهذا يستحق أن يلقى فى سلة القمامة
الورقة تلو الأخرى ..
تحمل بضعة كلمات
وبعد قليل
تبدو كلمات جوفاء
حتى القلم
فشل فى ايجاد البديل
هل وجود صديق صعب الى هذا الحد؟
ربما..
حاول القلم وفشل..
وله شرف المحاولة

(4)

هذا دورى..
ماذا أفعل؟
أأصعد المآذن صائحًا ..
هل من صديق؟
أم أضرب الارض بعصا موسي فتتشقق عنه
أم أدور فى الحارات والبارات
وفى الشوارع والغابات
وعلى الجبال
وشواطىء الأنهار
أدور بوجه أشعث ..
وملابس مرقعة
لأبحث عن رفيق رقيع
ثم لا أجده وأعود خالى الوفاض
ورغم هذا فقد سعيت
فى جولاتى أتبسم وأتأمل..
منتظرًا أن يأتى..
فى صلواتى أدعوا ربي..
أن يهدينى له
او يهديه لى
ولو لبرهة ..
وقد حدث..

(5)

كنت وحيدًا..
حتى أتت هى
لا أذكر من أين جاءت
هل يوجد من لايتذكر كيف جاءت ؟
نعم
أنا لا أتذكر كيف جاءت
أخبرنى أنت بالله عليك
هل تعرف كيف تبدأ أحلامك ؟
هل تذكر بداية أى منها؟
هل تحفظ كيف بدأن ادراكك
هل تذكر أول موقف أدركته فى طفولتك؟
وهل هو أول موقف حقا
قبل أن تدخل فى حياتك الجديدة؟
كانت هى كذلك
كانت حلمًا
وكانت حياة جديدة
لهذا لا أتذكر
ولن أتذكر
ولا أريد أن أفعل..

(6)

جاءت هى
جاء البديل
وخير بديل
جاءت لتبدل أحزانى أفراح
جاءت لتبدل أوجاعى نشوات
وتبدل آلامى شبقا
وتغير ظلامى بنور
تمنحنى ضوءا يهدينى
ويخفف عنى عثراتى..
ضوء أحمر..
بلون الورد البالغ
وضوء أخضر..
بلون جمال أشجار الطبيعة
وضوء أزرق..
بلون البحار
ولون الأنهار فى ضوء النهار
ولون المحيط الممتد فى سرمد لا تدركه أعيننا
ولون الثلج
وضوء أسود..
قضى على بقية الألوان
وأعاد الظلام دامسًا
أكثر مما كان

(7)

كانت ترتجف ضلوعى
باشارة مرأى عيناها
وعندما أتأمل فيهما قليلا
كانت تضطرب عيونى
تنغلق جفونى وتفتح عشرات المرات
تطرف من رهبة عينيها
تخفق..
من لهفتها للقاءها
التقينا
مرات ومرات ومرات
وفى كل مرة
يأتى الجديد
وتزداد عيناي لهفة
ومرة بعد مرة
اكتشفت أنهما ليستا فقط عيناى
بل يداى متعطشتان
وقلبي ينتظر بلهفة
أن يجمع معه قلبها
حتى يرتجف فى نشوة الى الابد
ويرجفها معه
أو يأخذها الى ساحر الأجواء

(8)

وهناك
على عشب أخضر لم يلوثه الغبار
وتحت سماء صافية مشرقة
تزينها سحب بيضاء
ترسم مئات الأشكال والوجوه
حين أكون معك
أراها ترسم وجها مبتسما
مبتسما فى سرور
وحين أتركك
مبتمسا فى رضا
وربما لو تفوه لقال
يكفيه ما ارتشف منها اليوم
ولكن الوجه المرسوم
لا يعلم انك لا تكفينى ليوم أو اثنين
ولا الدهر كله
هناك
كنا نجلس بعض الوقت
أتنسم فيه من رحيق كلماتك
وأنصا فيها لصدى ضحكاتك
نتبادل حكايانا التى صارت بريئة
وأتأمل وجهك
ليزداد عالمى نورا
ويزدادا قلبي شغفا
متى تأتى النهاية؟
وهل هى سعيدة كنهاية الأمطار
نسعد بظهور قوس الألوان
قوس قزح
أم حزينة كقصص الحب
التى خطتها أقلام المفئودين
أم سيرياليه باهتة الملامح
كبعض اللوحات الباهظة التى لا تعنى للبعض شيئا
وتعنى للآخرين الكثير
متى تأتى النهاية ؟
عندها سأعلم الجواب
بلا تداخل أفكارى
ولا الرعب من احتمال فقدك
فعندها قد أكون فقدتك فعلا
أو أكون قد ملكتك الى الابد

(9)

لم يعد قلبي يستطيع التحمل..
أضناه البرد الذى يستشعره بعد تركك
كيف وقد اعتاد الدفء
دفء جوارك
دفء وجودك
الدفء المنبعث منك
يبثه حافظة الأ مان
اعتاد على لذه هذا الدفء
أدمن نشوته..
والقشعريرة فى ظهرى كلما تلامسنا
القشعرير التى تكاد تقتلنى حبورا
رغم أن تلامسنا عفوى
قشعريرة لذيذة
ممتعة الى حد لا استطيع وصفه
رائعه الا حد لا استطيع الاقلال منه
حتى أننى عشقتها
واعتدتها
وان مر يوم دونها
فأنا هالك لا محالة
فهلا منحتينى مشروعيتها؟

(10)

أبيض وأسود
ألوان أفلامك المفضلة
والوان زهورك المفضلة
البيضاء منها
أما السودا
فلو منحنى الله قدرة على الخلق
لخلقتها لك
لتزدادى سرورا
وتزدادى نقاء
وتقري بها عينا
وترتسم ابتسامة عذبة على ثغرك
من أجلى
تعشقين الورود
صنعت لك تاجا منها
ولكننى أيضا أعشقها
وانتظرت أن تصنعى التاج لى
ولم تفعلى
زرعت حديقتى وردًا
وشرفتى
وأكوابي وضعت فيها الزهور والماء
التى تذكرنى بك
لتظل يانعة مثلك
ولكنها تذبل
فهل تذبيلن أنتى ؟

(11)

وفى ذات يوم
وتحت سماءنا
وعلى عشبنا الأخضر
كثرت الغيوم فى السماء
واصطدمت..
لتتساقط قطرات المطر
كنا سعيدين كأطفال
سعيدين الى اقصى حد
ولكن جوفى كان أسعد
وكان مضطربا
أتشعرين بما أشعر به
أم أننى أتوهم أنك تشعرين
اشتدت قطرات المطر
ولم يكن لنا من مفر
خلعت معطفى الجلدى
وظللتك به لأحميك من قطرات المطر
وظللت واقفا
لا أشعر بالجو من حولى
أشعر به داخلى فقط
هذا أسعد يوم لى ..
وأنا أحميك
وأقيك قطرات المطر
وأتأمل فرحتك الصبيانية بفعلتى‍‍‍!

(12)

تمنيت مرارا أن الثمهما
يديك وشفتيك
تمنيت أن أحتضنك
ليلتحم جسدانا ويصيران جسدا واحدا
الى الابد
تمنيت سبر أغوارك
لآتى بأعظم ما قد يسرك
ولكننى لم أستطع
تمنيت أن ارسم ابتسامات على شفتيك دوما
وان امنع اختفاءها
تمنيت أن تتعانق أكفنا
وأصابعنا
وعيوننا
وكلماتنا
وافواهنا
ولكن شرعية هذا لم تأت بعد
ولكى تأتى
كان لا بد أن أقولها لك
وقد قلتها
وليتنى ما فعلت

(13)

وبينما الذئب يعوى على قمة جبل
على مشارف غاب بكر
فسيحة
ومن خلفه يظهر البدر كاملا
فى لوحة من صنع الله
لوحة أزلية أبدية
تدل على الجمال السرمدى
الذى لم ولن يصنعه البشر
أسفل هذا الجبل
وسلاحى الحاد فى يدى
متحسبا لهجوم الضوارى علينا
قلتها لك
أحبك
قلتها وأنت تنظرين الى السماء
تتأملين تألق النجوم
وتقارنين بينها والبدر
قلتها فى لحظة صمت
وقطعت افكارك الحالمة
وحين قلتها
التفتى الى فى صمت
وفى عينيك نظرة جزع

(14)

لم تكونى تتوقعين أن أخبرك بها
قلتها لك
ولم أقلها ثانية
وانتهت الليلة بلاشيء آخر
وفى الايام التالية
تهربتى
تركتينى أتمزق
أنتظر عودتك
لأقبل قدميك وأخبرك أننى لن أفعلها ثانية
لن أقولها لك مرة أخرى
فقط ظلى بجوارى
ولو لقليل
لدقائق
ثوان
فقط..ظلى بجوارى
وعندما تفطر قلبي لفراقك
ظهرتى فجأة
عدتى..
لتخبرينى بكلمتك الأخيرة
قبل أن تختفى من أمامى الى الابد
أنك لا تقبلين يهذا الحب

(15)

لماذا؟
ألأننى أنا ؟
أم لأنك أنت؟
صدقينى
لم أعد رديئا
كنت سأزلزل الجبال
من أجلك
كنت سأحضر الطبيعة
ملك يديك
كنت سأطبع على جبينك
قبلة كل صباح
كنت سأمنحك الحب
والدفء الذى لن تحصلى عليه من غيري
لن يحبك أحد مثلى
ولن يحترمك أحد مثلى
كنت سأزرع كل أرض جدباء لديك
وأستحضر كل روح كامنة
وكل قوى ضعيفة
لأيقظها فيكى
ولكنك رفضتى..
وذهبتى

(16)

كنت وحيدًا
وعدت وحيدا
عدت لأبحث
فى بقايا الأبخرة الخبيثة
وفى أعماق الأجواء المسمومة
والموبقات الآثمة
أدمنت لفافات التبغ
أدمنت رنين الآهات
عدت الى داخلى
قد ازداد نزيف الدم
عودى لانقاذى
عودى قبل أن أذهب..
الى حيث لا أستطيع العودة
عودى قبل أن أغرق فى المستنقع
أو أفنى فى ذاتى
وقبل أن يذهب عقلى منى
بفعل الخمر
وسكر الحب
عودى ولا تتركينى
فقد كنت وحيدا قبل أن أعرفك
وأنا الآن أبحث عن ذاتى الوحيدة

- تمت-
2006

Wednesday, March 04, 2009

رأيتُ النار .. وبعض التهاني

بدايةً يجب التنويه أن هذهِ القصيدة كتبت في أيام حرب غزة وتحديدًا أثناء الاجتياح البري المغلق الذي خلف عشرات الجثث داخل المنازل ولم يعرف أحد بعد مدى ما فعلوه , ورغم أنه لم يمض على انتهاء الحرب شهران إلا أن سيرتها اختفت وتبخرت كعادتنَا السريعة في التناسي والتجاهل , يمكنك قراءة القصيدة مباشرة فهي أهم من الهرج الذي قبلها

الهرَج الذي قبل القصيدة :

أولاً :

أهنيء وأحيي من كل قلبي المدونات المشاركات في كتاب أنا أنثى ثالث أعداد سلسلة مدونات مصرية للجيب , فرغم أن الكتاب مختص بالمرأة إلا أنني اقترفت تلك الجريمة الشنعاء نظرًا لأنني كاتب على علاقة بكلا الناشرين وفي الحقيقة لم تبدِ لي الجريمة سيئة على الإطلاق ..
الكتاب أكثر من رائع ولا أبالغ إن قلت - مع اعتذاري للجميع - انه أفضل عدد صدر من مدونات مصرية حتى الآن .. ربما لتخصصه وربّما لأنه يعالج قضايا هامة للغاية ببساطة شديدة , وربّما لأنه يتناول جوانب كثيرة , الخلاصة أن الكاتبات أبدعن في كتاباتهن والكتاب أكثر من رائع و أحمد مهنّا تفوق على الكثيرين فعلا .. !

ثانيًا :
تمّ بحمدِ الله افتتاح جروب اضحَك .. كل يوم / الاتحاد الدولي للأوغاد على الفضاء السيبري لموقع الفيس بوك ويتم إرسال قصص ومقالات وأشعار ساخرة من خلاله , كان الإرسال في البداية مقتصرًا علي العبد لله من خلال حلقات الطريق إلى وغدستان والكمين في انفجار الحسين والخ الخ ..
والآن تم فتح باب المشاركة للجميع , وسيتم إرسال مقال في رسالة يوميًا إلى أعضاء الجروب وسيفوز أفضل موضوع لغيري من الكتاب أسبوعيًا بجائزة قدرها كتابان قيمان .
عنوان الجروب :

ثالثًا :
تهنئة متأخرة للصديق محمد الغزالي كاتب مجموعة ساديزم - أكثر الكتب مبيعًا - على اللقب طبعًا وإن كنت قد قلتها له آلاف المرات بيني وبينه ولكن لا بد من واحدة مكتوبة حتى تقدم كمستند حال تقديمي للمحاكمة .

رابعًا :
دار ميريت تحتاج إلى عملية إرهابية لأنها لم تخرج حتى الآن ديوان العشق السادي للأستاذ أحمد العايدي , من يريد المشاركة في العملية عليه الاتصال بي , وما زلنا بترقب الديوان !

رأيتُ النّار
طارق عميرة
-1-
رأيتُ النّارَ يا أمّي ..
مطرًا تسَاقَطهُ السمّاء .
غيثًا يخلفّه الشبَح .
يهبِط ..
فلا يجدِي البُكاء ..
ولا الصراخُ ولا الغضَب .
جثثٌ تكوّم في القُبُورِ
والموقفُ العربِي شجَب.
وتوجّهَت كلّ العيُون..
إلى الذي قد اغتصَب .
غزّة تمرّغ في الرمّاد .
منْ أصيبَ ومَن ذهَب
قد أدركت ..
أن الخلاص من قفصِ الدجَاج ..
بإجماعِ الدجَاج .
وبقيّة الطير في غيرِ الحظيرَة ..
حرٌ طليق..
لا يرَى قفصَ الدجَاج ..
عبرَ الطرِيق.
يحتاجُ للعدوانِ في قلبِ العَواصِم ..
حتّى يفيق ..

-2-
فِي حربِ غزّة يا أمّي ..
رأيتُ بعينيّ العِجَاب ..
رجلاً يواجهُ قنبلَة ..
طفلاً يعانقُ طائرَة
جمعٌ تحاصرهُ الصِعَاب
لكنّ أعجبَ ما رأيت ..
قط يدافعُ عن فتَاة ..
ضد الجنُود ..
كانوا قساة ..
قرحوا بأنفسهم ..
رقصُوا عراة ..
وقد تركُوا خلفهمُ
جثّة قطٍ ..
وفتَاة .

-3-
ها نحنُ صمودٌ يا أمّي ..
ليأتوا بقنابِل ..
وصواريخٍ وجُنُود
وليضعُوا مع العربِ عُهُود .
إنّا نصرُخ
أن القلبَ الساكِن فينَا
قلبُ أسُود..
أنّ الطفلَ الميّت فينَا
مات شهيدًا
باسم حقوقٍ لم يعلَمْهَا
إن عرَفَ عنها سيذُود.
وليأتوا يا أمّي بتلالِ الدّم
ها نحنُ نشربُ غرسَكُم..
همٌ وغمّ
إنّا صمودٌ يا أمّي
ليقتلونَا ..
فمَا جدوَى الندَم .
إنّا حيارَى يا أمّي ..
إنّا نسيرُ بلا كلل ..
ويرانا الجمعُ بلا قدم !

-4-
آسِف يا أمّي الثكلَى ..
لن تدفعَ كلماتِي العدوانِ
لن تأتِ بأرواح الشهدَاء
أو تحشِدَ قوّات الشجعَان.
إخوانِي ذهبُوا ..
آسِف يا أمي الثكلَى
لم يبقَ سوانَا
وبعد قليل ..
لن يبقَى سواكِ ..
لا تبكِي يَا أمي الثكلَى..
لنْ أهرب ..
لنْ أترُكُ أشيائي أبدًا ..
لكنْ عبثًا ..
حاولتُ مقاومة الغيلان..
ولا نصرٌ ..
ولا جدوَى ..
ويبقيني ..
شوقِي إلى طهرِ اللقاءِ ..
وماءُ الشرّفِ يحييني..
ليبقَى الجِنس
وحتّى الموت
فلسطيني .....

Monday, March 02, 2009

أفكَار مِن ملامَح ساحِرَة !

أفكار من ملامح ساحرة

طارق عميرة *(1)
-1-
كان نفسِي يا عُمري نغيّر فكرة ..
ممكن يوم الحبّ الصدِق يعرَف بكرَة ..
ممكن حب يعيش لسنين
يكسر كل اسوارَ الكُون
يخلِف اعرَاف التانيين
يكتب قصة بقاعدَة جدِيدَة
ويدون في كتَاب قوانِين
إن الحب السهل بيصعَب
وإن الحب الصعب بيكمَل
مش كل الحواديت ناقصِين ..
كان نفسي يا عمري نقول للقهْر
بطّل نارَك
مهما سكنت عقول وقلوب
دي مش دارَك
أصل القهر ماشي يقول
انا دايما بكسب علطول
كان نفسي يا عمري يكون الرد
تيت تيت
مشـــغــول!
-2-
فاكرة يا عمري
في عز البرد
وايدي في ايدك
فاكرة طريق مليان بمخاطر
مش شايفينها
وكلامي الساكت يناديلك ؟
وعينيا بتسأل بمواجع ..
عن سر الحزن اللي في عينك ؟
كان كلمة واحدة تطمني ..
بتخلي القلب يغنيلك
لكن كان ..
كان يا ما كان
من أزمان
أنا دلوقتي نسيت احساسي بأي امان
فسي في كلمة
نفسي في نظرة يتيمة في وشك
نفسي في لمحة في أي مكان ..
فاكرة يا عمري
فاكرة كلامنا عن الادمان ؟
وكلامنا عن طول الغربة ..
عن روعة الحب زمان !!
-3-
عارفة يا عمري ان إنتي الثورَة
إنتي الطول والسنة والأرض
إنتي ملامح حلم قديم ..
حلم عشانه عملت كتير ..
وهعمل لسه
صورة واخده وقت كبير ..
مهياش حاسة
ان الوضع النفسي لنفسي
أصبح اسوأ وضع خطير
وإن الروح الساكنة في روحي
نفس الصورة ..
وكم جروح حوالين الرّوح
وإن مناطق فيها كتير
مش معمورَة
وإن الروح لو طلعت منّي
هفضل حي ..
واي حياة تنفع مهجورَة ؟
طبعًا عارفة يا عمري إن إنتي ..
هيا الصورَة !

______________________________

هامش :

*(1) طارق عميرة كائن حي يتعايش في طنطا ويتغذى على اللحوم والخضروات وأتم عامه الثاني والعشرين بلا أهمية في الأول من مارس .

Tuesday, February 24, 2009

لوحَة حاصِد الرؤوس - قصة رعب

لوحة حاصِد الرؤوس

طارق عميرة


اشرف لا يعلم لماذا اشترى تلك اللوحة

يذكر أنه كان عابرا ذات مرة على احد بائعى الاشياءالقديمه وراها عنده وقد أسرته منذ اللحظة الاولى .. بل سحرته تماما فهو يذكر أنه ترك بطاقته لدى البائع ليحضر له باقى ثمنها !!

كانت اللوحة تمثل منظرا ليليا مخيفا ويحوى ذلك الجمال الربانى الذى لا يستطيع المرء ازاءه الا الانبهار ويغوص فى عالم من الاحلام ثم ليفيق ليقول سبحان الله .. وان كانت اللوحة تبدو له طبيعية الى حد مخيف,الى حد يجعلها اقرب الى صورة اقرب منها الى لوحة مرسومة , بل وصورة متحركة ايضا كانما التقطت بكاميرا تليفزيونية عالية النقاء!!

دعك من هذا ..أشرف علق تلك اللوحة فى غرفته الخاصة والتى كان يحتفظ فيها بكل غال ونفيس لديه واوراقه وما جمعه من أسفاره واليوم يتذكر وبعد أن اشتراها بثلالثة شهور . . هو لا يصدق بعد أنه قد وجدها بهذا الثمن البخس والذى لم يكن فى جيبه يومها ما يكمله , ولكنه كان بخسا بالنسبه لها على اية حال

يذكر أن البائع قال له أن صاحبها السابق مات مذبوحا بالة حادة للغاية وبعد أن اغلقت الشرطة منزله تسلل أحدهم وسرق محتويات الغرفة وأهداه اللوحة يبيعها لأنها لا تمثل له أى أهميه ...والشرطة لا تشغل بالها باللص كثيرا لانها ما زالت تبحث عن القاتل الذى ارتكب جريمة الذبح بهذا الاحتراف !!

منذ شهرين وبعد أن عاد أشرف من سفره من تركيا الذى استغرق أسبوعين لاحظ شيئا غريبا .. كان باللوحة خيال لشخص قادم من بعيد , على مرمى البصر لو صح القول .. هو متأكد ان هذا الشيء لم يكن موجودا من قبل فقد تأمل اللوحة مرارا .. فكر أنها قد تكون بقعة لوثت ضوء القمر المسبوغ على اللوحة وتسائل قليلا كيف اخترقت الزجاج اذن لتختار هذا المكان بالذات ؟!ربما كانت مجرد صدفه فلا يفسر هذه الدقه الا الصدف!

واليوم وبعد ثلاثة اشهر وما جعله يتذكر .. هو انه كان فى غرفة مكتبه كالعاده ..حين التفت للوحة التى كان قد نسي امرها قليلا

فوجىء بشيء غريب امامه .. لقد فوجىء بان المظهر فى اللوحة قد تبدل تماما.. هناك بدر ساطع الضياء يكاد ضوءه يخرج الى الحجرة .. هناك اشجار تختفى خلف شخص ما .. هناك ذلك الشخص الذى كان مظهره غريبا للغاية !!هناك تلك العباء ذات غطاء الراس ولونها اسود تحيط بهذا الشخص وبالطبع الظلال والقمر من خلف جعلا رؤية وجهه مستحيلا ..دعك من تلك العصا الطويله التى يمسك بها بما يشبه اليد البشرية باستثناء اظافر تبدو كالمخالب وتنتهى - العصا لا اليد - بنص لامع معوج يشبه المنجل

بالطبع كانت حالة اشرف هى الذهول وقام من مكانه ليمسح على اللوحة بيديه ويرى هل هى حقيقة ام ان هناك هلاوس فى عينيه ولكن فى النهاية تأكد من انها حقيقة ..استغرق بعض الوقت حتى يفيق من صدمته ثم اخذ يفكر ما هذا الذى يحدث هو متاكد من انها نفس اللوحة .. الاطار القديم يقول هذا .. المنظر فى الخلفية يقول انه نفس الشمهد باستثناء ما استجد عليه .. اذن ما الامر !!

وبدا يربط بين الاحداث ..اذن البقعة الصغيرة القديمة .. كانت هذا الشخص قادما من بعيد .. معنى هذا انه كان يسير منذ راه من ثلاثين يوما حتى وصل الى حجمه هذا وهو حجم طبيعى نوعا ما لنا كبشر . ترى ايستمر فى سيره .. اذن اين سيذهب هل سيعبر الى ما وراء اللوحة ام يخرج خارجها .. كلا كلا هذا التفكير غير منطقى لا بد اننى شربت الكثير من القهوة ولم انم منذ اسبوع على الاقل

اننى افكر فى اشياء لا تحدث حتى فى افلام الرعب هناك تلك الصورة التى تحرك عينيها وتثير القشعريرة فى الابدان والفضول لمعرفة ما سيحدث للبطل وما قصة هذه الصورة ثم لا يلبث المشهد ان يقطع على هذا او يكون هناك شخص خلف الصورة ينظر بعينيها

!!

ولكننا لسنا فى فيلم رعب او رسوم متحركة ... انه الواقع المخيف .. اذن لا مجال للتفكير فى هذا الامر هنا ..انتظروا

هناك امر اخر .. البائع الاحمق قال ان مقتنيها قبله قد مات بالة حاده اجتزت عنقه .. عاد يرمق الصورة فى رعب .. ترى هل تراه هذا المنجل ..ما هذا .. اين ذهب ذلك الشخص الذى كان فيها .. لقد عادت اللوحة كما كانت !!

بدون اى بقع بدون حاصد للرؤوس باستثناء ذلك البدر الذى ما يزال ساطعا فى سماء اللوحة .. هل تراها مجرد هلاوس ؟؟؟ ولكن البدر ؟؟ ربما كان هناك منذ البداية !!هناك حركة ما خلفه ترى ما هى ..صوت شيء ما يشق الهواء .. كم كان احمق لماذا لم يبادر بالهروب .. ابتسم فى جزء من الثانية وخيل اليه ان السواد الذى تحيطه العباءة يبتسم .. كان هذا فى جزء من الثانية قبل ان يطير راسه فى الجزء الثانى بعد ان فهم كل شيء!!

***

فى احد محلات التحف .. كان ياسر يتجول .. حين لفت نظره لوحة

كانت اللوحة تمثل منظرا ليليا مخيفا ويحوى ذلك الجمال الربانى الذى لا يستطيع المرء ازاءه الا الانبهار ويغوص فى عالم من الاحلام ثم ليفيق ليقول سبحان الله .. وان كانت اللوحة تبدو له طبيعية الى حد مخيف,الى حد يجعلها اقرب الى صورة اقرب منها الى لوحة مرسومة , بل وصورة متحركة ايضا كانما التقطت بكاميرا تليفزيونية عالية النقاء!!

ذهب الى البائع . .. كم تطلب فى هذه اللوحة ..سادفع اى ثمن تريده !!

تمت بحمد الله
2005

Monday, February 23, 2009

حفل الاسكندرية - ناثر البخور

حفل توقيع مدينة الاسكندرية باذن الله في المعرض السكندري للكتاب
يوم السبت القادم 28فبراير 2009
من 3 : 5
بمقر دار اكتب بمعرض الكتاب

Thursday, February 12, 2009

الرجل الذي ابتعد!


كُتبَت في 2006م , نشرَت في بص وطل وفي كتاب تليباثي .

إهداء :

إلى روح المدون محمد عبد الحكم " الفارس الملثم " - رحمه الله

الرجل الذي ابتعد

طارق عميرة

في هذا اليوم انتهيت من عملي مرهقًا كالعادة بعد أن قضيت تسع ساعات كاملة في الاستماع إلى مرضاي وشكواهم ، فأنا أعمل كطبيب نفسي ولكن المثير أن معظم من يترددون على عيادتي غير مرضى فعليا ، بينما أقابل أنا من المرضى ما يزيد عن المائة مريض يوميًا في حياتي العامة وكلهم يصرّون على أنهم ليسوا كذلك .

بالطبع لا أستطيع أن أصارح أحدهم بما يعتمل في نفسي نحوه لأني أرغب في العودة إلى منزلي سالمًا رغم كل شيء .. ومنهم من يأتون إليّ ، يأتون لأسباب تافهة دافعها الغضب أو الضيق أو حتى وسوسة شيطان نجح فيها سرعان ما تبددت .. فاضطروا إلى فعل أشياء لم يفعلوها من قبل وهكذا يرون أنفسهم مرضى ، بينما هناك من يفعل نفس الفعل يوميا دون أن يشك في مرضه لحظة , مثل الرجل الغنى الذي سرق شيئاً غير ذي قيمة من أحد المتاجر وأتى ليخبرني بهذا وهو يعانى منه بينما يوجد البعض من أغنى أغنياء البلاد ينهبون خيرها دائما!!

وهناك آخر أتى يبكي لأنه تجرأ وسب والده للمرة الأولى في حياته وهو في غير وعيه من فرط الغضب وكان واثقًا من أن هناك خللا نفسيا شنيعا به , يبدو أنه لا يمشى في الشارع ليرى ما يفعله الشباب بآبائهم .

. إذا كان هذا هو المريض النفسي فمن هوالصحيح إذن ؟

في أثناء عودتي من عيادتي الخاصة إلى المنزل بعد أن قضيت اليوم في العمل الشاق ومنع الزائرين من الإصابة بالاكتئاب.. وعادةً استقل سيارة أجرة بدلا من أعود سائرا في بعض الأحيان .. وفى هذه المرة و أثناء عبور السيارة على نهرنا الخالد .. حانت منى التفاتة إليه ، أحسست بارتياح لدى رؤيته ، سرعان ما تبدد عندما رأيت رجلاً يلفه الظلام يقف وحيدا هناك و إن كانت وقفته ثابتة لا تبدر عنه أي حركة مما أثار ريبتي فطلبت من السائق التوقف . ونقدته أجره وأمرته بالانصراف , ثم وقفت قليلا أفكر و أقرر ماذا سأفعل قبل أن أحسم أمري وأتوجه إلى الشخص الواقف ، وقبل أن أصل إليه بدأت ملامحه تتضح من الخلف كان يرتدى بذلة كاملة سوداء اللون ويبدو شعره أسود باستثناء بعض الشعرات البيضاء التي بدأت تغزو رأسه , وصلت إليه فوقفت بجواره على بعد خطوة واحده وأخذت أتأمل النيل قليلا قبل أن أبادره بالكلام:-

- " يبدو النيل ساحرا اليوم وخصوصا بسطوع ضوء القمر عليه "

ببطء شديد وكأنه لايدرك أنني بجواره منذ زمن التفت إليّ لتظهر تفاصيل وجهه الذي كان وسيما وقورا وكان هناك ذكاء واضح بمزيج من الحزن يطل من عينيه، رغم التعبير العام بجمود وجهه وبصوت وقور هادئ قال:-

- "ربما ... ولكن ثق في أنه ليس ساحرًا دائما"

ثم عاد لوقفته الأولى ونظراته الجامدة مما جعلني أشعر بأنه لا يرغب في الحديث إلا أنني لم أستطع منع نفسي من سؤاله:-

-"كيف؟"

صمت طويلا هذه المرة .. طويلا حتى أيقنت أنه لن يجيب السؤال .. إلا أنني أصررت على موقفي ، وتدور برأسي أشياء عدة واستغرقت في التفكير حتى أفقت على صوت ضوضاء شديدة لأجد مركبا يعمل بالمحرك يشق عباب النيل أمامنا وبمجرد أن كاد صوته يختفي سمعت الصوت الوقور يقول:-

-"أخبرني أنت، هل رأيت النيل ساحرا في لحظة عبور هذا الشيء ؟؟"

فهمت مايقصده على الفور إلا أنني أجبته بعد تردد لم يطل:-

-"لم أقصد ذلك .. أقصد أنه ساحر في ذاته .. ساحر مالم تمتد إليه هذه الأشياء"

نظر لي مباشرة هذه المرة قبل أن ترتسم ابتسامة ساخرة على شفتيه وهو يتأملني قليلا قبل أن يقول:-

-"كأن هذه المراكب تسير في نهر الراين وليس هنا .. كأنك تتحدث عن نهر آخر ... لقد امتدت هذه الأشياء إلى نهرنا يا عزيزي أردت أم لم ترد ..أما النهر الآخر الذي لمتحدث فيه فيضانات .. ولم يتلوث بالقمامة ولم يدنس الضوضاء والزيوت فهو قديم ... قديم لم تمتد إليه يد بشر .. إنك تتحدث عن طفولة النيل "

ورغم أنه كان يسخرمنى في رده هذا إلا أنني أحسست بسرور داخلي لأني دفعته إلى التحدث على الأقل وبهدوء أجبت:-

-"النيل القديم هو نفسه الجديد .. ما زلت أرى كلاهما ساحرا"

ابتسم ابتسامة حزينة هذه المرة و إن كنت قد خمنت أنها بسبب إصراري على رأيي بينما قال هو :-

-"إذا كان هذا رأيك فأنت حر به , ولكنني أراه رأيا من الحماقة بحيث لا يخطر ببال الحمقى ذاتهم .. أنت تتكلم عن الجديد والقديم كأنهما واحد . . ولكنك قد أخطأت "

وصمت قليلا قبل أن يكمل:-

-"تتكلم عن الطفل والرجل البالغ كأنهما نفس الشخص , تتجاهل كل ما مر به الأخير من مصائب و ذنوب و خبرات .. بينما الطفل أياً كانت قباحة ما فعله فهو طفل .. لقد جعلت الاثنين بريئين إلا أن لحظات البراءة التي تنتاب الكبار ليست ساحرة كما تظن "

أفحمني جوابه هذه المرة فلم أستطع التفوه بكلمة و إن كنت أظن أن هناك شيء يثقل كاهله إلى حد كبير .. لقد كان كلامه موزونا ويائسا في نفس الوقت وهناك نظرة الحزن العميقة في عينيه و لكنني لم أجرؤ على سؤاله مرة أخرى خاصة أنه عاد لوقفته الأولى و شروده ، وقفت أتطلع إلى النهر الخالد قليلا وقد بدأت أفكر جديا في الانسحاب والعودة إلى منزلي ولكن رغبة شديدة في أعماقي دفعتني للبقاء وأبت عليّ إلا أن أذهب منتصرًا فالتفت إليه وتماديت في حديثي:-

-"ولكنك لو بحثت فستجد أن الطفل والرجل هما نفس الشخص .. شخصية واحدة.. الفارق الوحيد هو أن الرجل نسخة بالغة من الطفل .. ومهما أثقلته الهموم فهو نفس الشخصية التي ولد بها .. وسحره موجود في أعماقه دائما "

وكعادته صمت قليلا واستنتجت بعبقريتي المعهودة أنه يفكر، إلا أنه بعد لحظات من الصمت قال:-

-"لا أدري في أيّ عالم تعيش .. ولكن انظر إلى الناس من حولك انظر إلى النيل.. انظر إلى الأشياء .. كل هذا لن يعود لسابق عهده قط

"وصمت قليلاً ثم أضاف:-

-"لو ارتكبت ذنبا ما .. هل ستعود بعدها كما كنت قبلها .. حتى لو ندمت عليه وكفرت عنه .. هل ترى أنك قد تخلصت من تلوثك؟..هل ستعود إلى ماضيك خالي الوفاض ؟.. هل تستطيع ذلك ؟"

كان منفعلا في هذه اللحظة إلا أنه تمالك نفسه وعاوده تعبير البرود وهو يكمل:-

-"كما ترى .. لا إجابة لأن الإجابة معروفة .. لن تعود كما كنت , يمكنك ببساطة الذهاب إلى أي طبيب نفسي لتسأله عن هذه الأشياء "ابتسمت هذه المرة رغما عنى إلا أنني آثرت الاحتفاظ بمهنتي لنفسي وحتى لا يفهم ابتسامتي على أنها نوع من السخرية أجبته:-

-"كنت أنوي الذهاب إليه بالفعل "

نظر لي قليلا قبل أن يعود إلى وقفته الشاردة الأولى التي يبدو أنه لا يملها أبدا .. وفى هذه المرة اندفعت بسؤالي قبل أن يطيل في وقفته وقد خرج كلامي رغما عني:-

-" يبدو أنك تعانى من ذنب مثل هذا .. لا تستطيع الخلاص منه .. أليس كذلك ؟"

أجاب سريعا بصورة قاطعة

-"كلا" سألته على الفور:-

-"ماذا هناك إذن .. ما سبب الحزن في ملامحك ووقوفك هنا هكذا في هذه الساعة ؟"

كان صمته طويلاً هذه المرة .. طويلاً للغاية .. كأن سؤالي كان الأصعب في هذه الليلة الليلاء إلا أنه بعد فترة أجاب:-

-"لقد رأيت حادث تصادم اليوم ، ضحيته سبعة شهداء وعشرة مصابين"في استنكار شديد قلت:-

-"أكل هذا الحزن من أجل حادث تصادم ؟؟؟!!!!"

التفت إليّ في سرعة هذه المرة ورماني بنظرة ناريه قاسية نتيجة لاستنكاري و ثبّت عينيه في عينيّ و قال:-

-"ربما يبدو الأمر كذلك لك .. تافها لا يستحق..ولكنه مهم للغاية لي ، ربما لو فكرت من طريق آخر لكان مهما لك أنت الآخر ، إن كل فرد من هؤلاء الضحايا ليس مجرد اسم , ولم يولدوا ليكونوا في عداد إحصاءات وفيات الحوادث , كلا ، إن كل واحد منهم له حياته الخاصة , حياته الكاملة ، أسرته التي يعولها وينفق عليها وربما لايكون لها مصدر رزق سواه ، وأسرته التي تعوله وتعده ليكون شخصا عظيما لها ،هناك من له أولاد وأحلام وأشياء أخرى ربما أثرتنا كثيرا لو حقق إحداها ، وبموته سنكون قد خسرنا يداً عاملة أو مشروعاً جديداً والأدهى .. نفس بشرية أخرى .. وحياة كاملة .. هنا كحيوات لا تكفيها مجلدات انتهت في حادث التصادم هذا "

بدأت أفكر قليلاً لأكتشف أن الصواب بجانبه في كل ما قاله ولم أجرؤ على الكلام حين رأيته قد بدا يبتعد بخطوات بطيئة واستمريت في تفكيري حتى أفقت على صوت التوقف المفاجئ المزعج للسيارات ، التفت في حدة لأجد الرجل راقداً ينزف وسيارة زرقاء أمامه تجاهد للهروب ونجحت في ذلك .. وفى هدوء شديد .. التقطت أرقام السيارة ومشيت في الاتجاه الآخر للحادث وكأن شيئاً لا يعنيني ، ولكنني في الحقيقة كنت حزينا أتساءل عن حياة هذا الرجل !