Monday, August 03, 2015

طارق عميرة

إطلاق مدونة خاصة فقط بكتاباتي باسم طارق عميرة
http://tarekomyra.blogspot.com

Thursday, June 11, 2015

عودي , لا معنى لوجودي ..

عودي , بعدك حنَى عُودي

Friday, December 20, 2013

أخبار الكتُب والكتّاب يوم بيوم .

الآن ولأول مرة يمكنك متابعة أخبار الكتب والكتّاب يوم بيوم
على موقع مخصص لذلك
www.a5erketab.com
http://a5erketab.com
 وترقبوا تغطياتنا الحصرية والمميزة لأول مرة على مدار الساعة لمعرض الكتاب المصري

Tuesday, November 05, 2013

إنتحار 1 - رواية


عندما قرّرَ أن ينهِي حياته كانَ هذا هو افضل قرار وصلَ له , الحقيقة كذلك أنه القرار الوحيد الذي فكرّ فيه جيدًا.
إن لحظة من الألم بعدهَا لا شيء ليست بالأمر العسير, الألم ؟! ذلك الذي عرفهُ كثيرًا ولا يعتقدُ أن مشهد النهايَة سيكون أسوا مما سبقَ بحَال .
ما الضرر في أن يتحمل صدمةَ سيّارة مسرعَة هو الذي تحمّل صدمَات كثيرة, إستبعد طريقة السيّارة لأنّه خشي أن يبقى حيًا مصابًا , فهذا ألمٌ لا يتحملّه ..
ما المشكلة في تحمل تفجر الرئتين لدقيقة واحدة في الغرق أو عنف الإرتطام للحظة حين يقفز من الطابق الثلاثين إلى الأسفلت ؟ ما الجديد في تناول السمّ مع مخدّر أو بدونه هل سيكون أشد ألمًا ممن قيدّوه ودسّوا أصابعهَم !
ماذا سيحدث إن أطلق النار في عينهِ لتدخل الرصاصة مخّه ؟ هل سيشعر بالم الاحتراق بضعة ثوان وقد أحرق جسده بالنار لساعَات؟!
إختار الفكرة الاخيرة تحديدًا لأنه كان قد اعتاد ألم النار , سعى لإحضار مسدس صناعة ورش تتخدذها تجارة خلف الستّار وكان مميزًا حيث كان يطلق رصاصات المدفع الآلي , ولكنه يستوعب طلقة واحدة كل مرة , إبتاع عشرة رصاصات بدت له اشبه بصواريخٍ صغيرَة , أطلق خمسًا منها قبل ذلك لتجربة السلاح ويحتفظ برصاصة في جيبه دائمًا ويترك الباقين في منزله , يشعر الآن أنه حان وقت استخدامهم .
أخرج المسدس بماسورته الطويلة الضخمة ووضعه أمامه , ومن جيبه أخرج الرصاصة , قال له فؤاد وهو يبيعه السلاح أنها طلقات عسكرية ولو أمسكتها السلطات فقد يسجن سبع سنوات مع الرأفة .
فكر حينها ماذا لو أمسكته السلطَات , بالتأكيد سيجد آلة حادّة تمكنّه من قطع أوردة عنقه , هل سيتألم لدقيقة ؟ ربما ينزف لدقائق حتى يفقد وعيه ويموت , عليه أن يجد مخدرًا أو منومًا يحتفظ به معه .
كان يضع خطة بديلة في ذهنهِ لكل شيءٍ قد يعوقه عن تنفيذ هذا القرار , الآن عليه أن يواجه قراره بشجاعة , قراره الأدق , والأصوب , والأفضل كما يشعر به منذ جاء إلى هذا العالم البغيض .
يسمع دائمًا أن من عادة المنتحرين أن يتركوا رسالةً لأي شخص , لكنّه لا يجد شخصًا يكتبُ إليه تلك الرسَالة .
فكرّ في الأمر فوجدهُ عبثًا, هو لا يرغب في الخلاص ليعاقبَ أبويه وإخوته , هؤلاء نبذوهُ منذ زمَن وهو نبذهم في قلبِه .
هو لا يرغب في الموت لأنه هجر حبيبته , لقد أحبّ كثيرات حتى فهمَ أن الأمر لا يستحق حتّى الأسف !
هو لا ينهِي حياتهُ لأن اصدقائه غدروا به أو لأنه مظلوم لم يستطِع دفع الظلم عن نفسِه , كل هذه دوافع قوية حقًا لكنّها ليست دوافعه , هو يريد الخلاص لأنه فقط يريد الخلاص , لم يعد يريد أن يرَى هذا العالم أو يشعرُ به .
لقد سأم كل شيء , دائمًا يحسد اولئك المتظاهرين بالسعادَة ويمقتهُم في الوقت نفسه , لا توجد سعادة دائمة ولو ليوم واحد , لا بد من حدث غريب , لا بد من شيء , ربمَا لا توجد سعادة على الإطلاق إلا ما نوهم أنفسنَا أنهَا كذلك .
يفكّر انه إن كان يذكر لحظات سعيدة صادقَة ما كان ليفكر بإنهاء حياتِه الآن , يذكر أن كل مرةٍ أوهم نفسه فيها بالسعدَة تركت له جرحًا غائرًا هو ما تبقى , فكر أن من يكتب رسالةً بعد أن انتحاره هو كمن يكتب استقالةً مسببة لا فائدة منها , هو لا يريد هذه الحياة الآن , بل لا يجد في نفسه أمنية سوى الذهاب بغير عودة .
يجلس أمام السلاح لدقائق قبل ان يضع الرصاصة داخله وينهض ليعد لنفسهِ كوبًا أخيرًا من الشاي, تروق له فكرة الشاي قبل الإقدام على اي عمل وإن كان إنهاء حياته !
أعدّه على مهلٍ وجلس أمام سلاجه يرشف شايه ويفكّر, هل نسي شيئًا ما ؟ العائلة ؟ الأصدقاء ؟ الزملاء ؟ المعارف ؟ كل هؤلاء مرّوا بذهنهِ سريعًا فلم يشعر بحاجةٍ للتوقّف .
آلاء تظهر كشبحٍ طفيف بين ذكرياته تتراقص بينهَا فيحاول أن ينفضهَا عنه لكنّها تصر على المرُور حتى تبرز صورة كبيرة عملاقة , هل أحبهَا حقًا ؟ لم تتح له الفرصة أبدًا لإثباتِ هذا ولكنه يعرف أنّها كانت أكثر من عرفهنّ إقترابًا من روحه, أين هي الآن وكيف تركهَا تضيع ؟ الآن يفكر أنها لو كانت معه لشكلت عائقًا كبيرًا أمام قراره الهَام .
وجوه لملثمين , مدافع آلية , غرفة مغلقة مظلمة وعذاب بالخنق بالماء والحرق بالنّار , سؤال عن مكان عاطف , يذكر صرخته الفزعَة :
-         صدقوني أنا لا أعرف عاطف , أخبروني من تقصدون وسأقص عليكم تاريخه , لكن في حياتِي لم أعرف عاطف !
من كانوا ؟ لا يعرف ولا يريد أن يعرف , لم يكونوا الأولين ولا الآخرين , لكنه يذكرهم جيدًا لانّه لم يكن يعرف عاطف.
أنفق كثيرًا حتّى أنه لم يبق له شيءٌ الآن ولا يريدُ ان يبقى منه شيء .
يحصِي المال في جيبِه ليجده إثنى عشر جنيهًا فيعيد التفكير في قرار الإنتحار علّه يصرفهم في شيء ما , يضعهم على طاولة جانبية وقد حسم أمرهُ وقرّر أن يجعلهم للحّاده أو السيارة التي ستنقل جثتّه بعد ان يعبث بها الاطباء بدعوى التشريح
رشف رشفة الشاي الأخيرَة وقد قرر أنه لم يعد هناك بالفعل ما يعيش من أجله, أمسك بالمسدس ورفع قطعة حديدية ليحرر الزناد وسحب المطرقة الصغيرة في مؤخرة السلاح إلى نهايته وغرس فوهتّه في عينه اليسرى مباشرةً .
الآن ضغطة واحدة لا تحتاج الكثير من القوة وينتهي كل شيء , ولكن هذا الشعور...
لم يكن التردد , ولم يكن التراجع , والاغرب لم يكن الخوف أو الألم أو اي مقدمات لهمَا , كان عاديًا فقط , يشعرُ أن الخلاص لا يوجدُ أسهلُ منه الآن , لا مانع من أي نوع سوى توجيه عزم إصبعه , أكدّ له هذا الشعور صواب قراره وطمأن نفسه .
ضغط الزناد أخيرًا في ثقة وهو يزيح السلاح ناحية النافذة , رجّه صوت الرصاصة رغم ظنّه اعتياده , تأمل الزجاج الذي اخترقته الرصاصة التي ستجلب رجال الشرطة إلى هنا حتمًا .
حين يصلون لن يكون هنَاك , لقد قتل نفسه وعليهم ان يفهمُوا الرسالَة , سيجدون أن هذا المكان كان سكنًا لشخص مات بالفعل ولكنّهم لم يجدُو جثتّه .
أما هو فقد قرر أنه قد مات بلا عودة , وأن أمامه خمس دقائق على الأكثر حتى يفلت بسلاحه من الشرطة .
***
لم يكُن أحد يلتقي فؤاد في مكان واحدٍ مرتين , لا يمكن أن يحدث هذا أبدًا إلا في الأماكن التي يفضّلها فؤاد حين يكون وحده ..
كان حذرًا فيما يتعلق بعمله إلى أقصى حد , حتّى وإن تعامل مع نفس العميل فإنه يتعامل في كل مرةٍ كأنها الأولى والأخيرَة , لا مكان للود والمجاملة فقد تودي به وهو لا يطيق ساعة واحدة من الحبس وما يعمل به قد لا يجعله يرى الضوء مجددًا .
كان يجلس في مقهى جوار منزله الحقيقي حيث يعرفه العاملون وينادونه باسم الاستاذ سامح , لم يعرفوا عمله أبدًا لكنّهم حزروا أهميته من ملابسه الأنيقة و الحقائب التي يحملها معه من آن لآخر وذلك الكومبيوتر المحمول الذي يجليه معه أحيانًا بالإضافة لملامح وجهه المريحة وبشرته السمراء كختم حقيقي على انتماءه لهذه الأرض .
رن هاتف العمل فجأة , هاتف فؤاد التاجر الحذر الغامض لا سامح الرفيق البشوش ..
ميز الصوت العميق عندما سمعه فورًا , صحيح انه نسي الغسم ولكنه لا ينسى الاصوات التي تحدثه أبدًا, سمع الطلب الذي عرف أنه سيسمعه :
-         أريد عشرة رصاصات عسكرية أخرى.
-         حسنًا , سأحدثك بعد ساعَة .
-         إنتظر , أريد أيضًا قطعة 9 مللي بالإضافة لخمسين من رصاصاته .
فكر فؤاد لحظة قبل أن يقول :
-         هل تعلم الاسعار ؟
-         أليست آخر ما وصلني منك ؟
-         تقريبصا باستثناء الصنف الأخير , الواحدة بخمسة وعشرين جنيهًا .
-         ماذا ؟ هذا ضعف الثمن !!
-         لن تجد من يبيعها في مصر بأكملها أقل من ذلك قرشًا واحدًا .
-         حسنًا , اجعلها أربعين رصاصة .
أغلق فؤاد هاتفه وهو يسترجع في ذهنه ما يعرفه عن ذلك العميل , هل كان صابر من اتى به أم عمرو ؟ لقد اشترى فرد المحروق الذي يطلق رصاصات الآلي وعشرة رصاصات له , يذكر هذا الشاب جيدًا وقد اندهش له , إن من عرفهم وسيمين متحضرين يأخذون مسدسات 8 مللي أو حتى فرود الخرطوش أو شيء له شكل كلاسيكي يفضلونه , لكنه كان يعرف أنواع السلاح وعلى اطلاع ببعض طرقه واسعاره , يذكر فؤاد أنه شك للحظات كونه ضابط لملامحه الوسيمة وهيئته الرياضية لكنّه استبعد الأمر لأنه أتى مع عمرو, نعم عمرو من اتى به وعمرو هو ابن شقيقته ويتحرى الدقة تماما في اختيار الزبائن .
مسدس 9 مللي وأربعين رصاصة ؟ هل ينوي هذا الرجل أن يكون ( فؤاد ) آخر ؟ لا مشكلة طالما يأخذ السلاح منه , في هذه الحالة فكانما يعمل معه .
نادى على ساقي المقهى ونقده الحساب ببقشيش مجزي , خرج ليجهز البضاعة المطلوبة فسيكون عمل اليوم مجزيًا, هناك عميل ينتظر بضاعة يعرف جيدًا أن ثمنها يفوق العشرة آلاف جنيه ..
بعد ساعة كان فؤاد في طريقه ليلتقي عميله في مكان حددّه ببراعة على قضبان طريق مظلم مهجور كان لقطار في الماضي , وعلى أطراف ذلك المكان كان ذلك العميل ينتظره وفي جيبه اثنى عشر جنيهًا .
***
سالي جميلةٌ لكنّها صارت تكره هذا الجمَال, الجمَال هبة يجب على الجميع الحفاظ عليها لكنها هنَا تعرف أن الجميع يشتهيها بين أحضانِه .
وهي تقصد الجميع , حتّى المارة اللذين يلتقون بها في الشارع ولا تعرفهم , كمْ مرة لعنت هذا العالم وهي تسمع عبارات الغزل الفاحس على مرأى ومسمعٍ من الجميع ومن الجميع ..
كم مرة لعنت هذا العالم ويدٌ تلامس أو تمسك جزءًا منهَا أو شخصًا يصطدم بهَا عن عمدٍ أو أطفال صغار يتحدثون عن ثدييها أو مؤخرتها علانية بينما يضحك من يسمعهُم من الكبَار !
حتى حين تركب أتوبيس أو ميكروباص , كم مرة لعنَت هذا العالم حين يحدث الأمر مع تغيير الشخص , رغم أنها تحصر على أخذ المساحَة الأقل في المقعد , رغم ذلك يأتي الوغد ويلقِي بمؤخرته على فخذها قبل أن ينتفض معتدلاً :
-         لا مؤاخذة !
ثم يحاول طيلة الطريق لفت انتباهها أو الاحتكاك بها , كم مرة لعنت هذا العالم وهي تحمل في كل مرة اي شيء لتلصقه جوارها على المقعد , كم مرة لعنت هذا العالم وهي تسأل ذكرًا عن مكان ما أو شيءٍ ما فيغمز لهَا بعينهِ أو يحدق في صدرهَا !
الجميع يفعل ذلك , الجميع .
الحقيقة أنها لم تكف عن لعن هذا العالم ليحدث ما هو أسوأ وتمقت العالم بما يكفِي لتدميره ..
في هذا اليوم اختارت سالي ركوب التاكسي , يمكنها اليوم أن تمنع نفسها عن الاختلاط بالأشخاص اللزجة والروائح الكريهة , قررت أن ميزانيتها تسمح للذهاب والعودة من الجامعة اليوم في سيارة خاصة .
مر اليوم جيدًا وقد اعتادت سالي سفالات وبذاءات زملاءها من الطلبة وصارت تحفظ كيف توقفها أو كيف ستنتهي , ثم بدأ كل شيء أثناء رحلة العودَة .
أوقفت سيّارة الأجرة وأخبرت السائق عن وجهتها فأومأ لها برأسه , ركبت السيّارة مرهقة وهي تستعيد تفاصيل اليوم الطويل , لماذا يخرج السائق من هذه الناحية بينما الثانية أقرب له ؟, ربما يكون الطريق مزدحمًا وهي لن تتحدث الآن فهي تريد الوصول فقط سواءًا من هذا الطريق أو غيره .
إطمأن قلبها حين عادت السيارة إلى الطريق الرئيسي , وبعد دقيقة واحدة توقفت السيارة فجأة على جانب الطريق , وفي ثانية واحدة وجدت من يحشر نفسه بجوارهَا من كلا الجانبين , ألجمها الخوف فلم تستطع المقاومة أو حتى الصراخ وأحدهما يدفعها لتشغل المنتصف بينما تنطلق السيارة مرةً اخرى قبل حتّى أن يكتمل غلق أبوابهَا .
حطّم الخوف سالي من قبل أن تبرز في يد أحدهما مطواة يغرسها في جانبها , حطمّها الخوف حتّى أنها لم تكن لتقاوم أو تصرخ وإن لم يأمرها بذلك .
إلى مكان منعزل مهجور كانت السيّارة تعرف طريقها , وبعد ثلاث ساعات من الجهد والإعياء كان الأمر قد انتهى , لقد فعلوا كل ما يحلو لهم وفقدت هي ما كانت تظن أنه أفضل ما تملك وأغلاه وقد رخصّه الجميع ..
عندما انطلقُوا بسيارتهم كانت لا تزال ممددةً عارية مفتوحة الساقين لا تصدّق أن هذا قد انتهى , حين نظرت بتركيز للمرّة الأولى أدركت أن الظلام قد خاض شوطًا في رحلته ليعم المكان , حاولت النهوض مرات عديدة بلا فائدة , كل قطعة في جسدها تئن علاوة على ذلك الشعور بالإنتهاك الذي يبدو أنه سيمزقها طويلاً .
تمالكت نفسها واستجمعت قوتها وقامت تلملم ملابسها , ارتدتها في ضعف وهي تعجز عن التفكير في أخذ قرار لأي شيء ,  تلمح ضوءًا ثابتًا على البعد , تحاول ارتداء الحذاء فتشعر أن قدميها بحاجة للتحرر , تحمله في يدهَا وبخطى واهنة تبدأ في السير .
***
وقف يتأمل ساعة هاتفه المحمول بين دقيقة وأخرى , آخر اتصال بفؤاد منذ خمس دقائق وقال أنه على وشك الوصول .
منذ نصف ساعة وهو هنا يدور في المكان حتى مل الإنتظار , يسير بمحاذاة القضبان الحديدة المهجورة ويرى قطعًا حديدة ملقاة بتفرق بين كل عدّة مترات , يميزها في ضوء النجوم والأشعة الواصلة من أضواء الطريق البعيد , تأكد من حشو مسدسه الذي اشتراه من فؤاد منذ اسبوع للمرة العاشرة منذ جاء إلى هنَا ثم دسّه في ظهره .
على ضوء النجوم يرى شخصًا يقترب اخيرًا , ميز فيه فؤاد الذي امتزجت سمرته بالظلام المحيط به وسواد ثيابه وبقيت عينيه البيضاوين كنافذة في الظلام .
اقترب فؤاد أكثر فظهرت حقيبة أنيقة في يده بينما انتظرَ هو حتى صارَ فؤاد قريبًا منهُ بالقدر الكافِي , سأله فؤاد مباشرةً :
-         لماذا كل هذه الرصاصات ؟ هل تنوي اقتحام بنك ؟
قال له :
-         لا شأن لك بهذا , هل أحضرتهَا ؟
أخرج فؤاد كيسًا جلديًا من حقيبته بالإضافة لمسدس في جرابه قلبه في يده وهو يقول :
-         أحضرت ما طلبته , ثمنه عشرة وثلاثمائة .
تناول قطعة السلاح واخرجها من الجراب , تراجع خطوة وهو يجرب تصويب السلاح ..
-         هل توجد به طلقات ؟
-         رصاصة واحدة للتجربة !
قلب السلاح بين كفيه وحاول التصويب على اي شيء ولكن الظلام حال بينه وبين ذلك , جذب صمام الأمان ورفع يده إلى السمَاء ونظر إلى فؤاد الذي كان يرمقه بنظرة صارمَة لا توحي بشيء وتوحي بكل شيء , رافعًا يده بالسلاح الجديد نحو السماء كانت يده الأخرى تستتر بالظلام وببطء شديد نجحت في توجيه سلاحه القديم الذي أعده نحو فؤاد , وحين أطلق رصاصته التي اخترقت فؤاد كقنبلة صغيرة محدثة ثقبًا بشعًا قتله على الفور لم يكن فؤاد قد لاحظ أي شيء .
نقل بصرهُ بين السلاح معجبًا وجثّة فؤاد التي تنزف الدماء وبشاعة الإصابة التي أحدثها به , شعر أن على فؤاد أن يشكره لأنه أراحه بهذه السرعَة .
نظر إلى يد فؤاد فوجدها تمسك بمسدس آخر لم تتح له الفرصة لاستخدامه, هذا السلاح لم يره في الظلام وربما لو كان أعطى فؤاد مالاً لقتله هو .
خلصه من يده وبحث في جيوبه ليجد بعض المال ومفاتيح سيارة حزر أنها في مكان قريب خمنّه بسهولة من الزاوية التي جاء منها فؤاد , وجد رخصة السيارة أيضًا في حافظة فؤاد ولكنّه قدر أنه لن يستخدمها الا ليبتعد عن المكان وعليه الاحتراس من ترك بصماته داخلها .
أخذ حقيبة فؤاد فلم يجد بها اي شيء , كان يستخدمها في حمل البضاعة فقط , دس السلاحين الجديدن في الحقيبة وأعاد سلاحه القديم إلى ظهره , ودار حول جثة فؤاد دورة أخيرة , ركلها بعنف صائحًا :
-         أخيرًا ذقت ما تتاجر به ؟ لماذا أهلك أنا واتركك هنا ؟؟ لماذا ؟
يركل الجثة بشدة وينتبه على شبح يبدو بعيدًا عدة خطوات عنه ..
-         من هناك ؟
يقترب صاحب الخطوات دون إجابة فيتوتر ويتحسس سلاحه , كان يظن أنه قد نسي هذا الشعور حين قرر أنه قد مات , أخرج سلاحه وقد زاد توتره مع اقتراب القادم :
-         من ؟!!
يتوقف صاحب الخطوات على بعد مترين منه , وعلى الصوء الذي أخفت الغيوم شدته يرى ملامح فتاة حسناء تحمل شيئًا في يدهَا , دقق بصره ليجده حذاءًا وخيل إليه أن قدميها حافيتين في هذه اللحظة , همّ بالسؤال مرةً اخرى عندما تهاوت على الأرض وكأنما فقدت كل طاقة لديها .
***
عندمَا أفاقت سالي وجدت أنّها ترقد في فراش نظيف في غرفة لا تعرفهَا , تأملت الغرفة متوجسة لتجدها فوضى إلى حد ما وميزت أنّها غرفة رجل من الملابس المتناثرة .
أغمضت عينيهَا مرةً أخرى للتفكير قليلاً , هل رأت رجلاً يركل جثةً حقًا قبل أن تفقد وعيهَا أم أن هذه هلاوس , تأملت جدران الغرفة وهي لا تصدق بعد أن ذلك الكابوس الذي عانت منه في العراء قد انتهى , قرّرت أخيرًا الخروج من الغرفة والبحث عن الحمّام .
حين فتحت باب الغرفة رأته يقف أمام النافذة يتأمل ثقبًا في زجاجها شاردًا , التفت إليها قائلاً:
-         إستيقظتِ أخيرًا ؟
لم يكن ما رأته وهمًا إذًا , ألم يكن هو من يركل الجثّة , سألته :
-         كم مرّ من الوقت ؟ واين أنَا ؟
-         أنتِ في منزلي ونحن الآن في بداية الصبَاح .
-         وماذا أفعل في منزلك ؟
لم يجبهَا , اشَارخلفهَا قائلاً :
-         الحمام خلفك يمينًا .
دخلت وأغلقت الباب خلفهَا جيدًا , خلعت جميع ملابسها ونظرت في مرآة كبيرة معلقة على أحد جدران الحمام , في عقلها دارت ذكريات وأفكار , لماذا جاء بها إلى هنا ؟ ألأنه لم يرد أن يتركهَا أم لأنهَا رأت جريمته ؟ وإن كان يخشى ذلك لماذا لم يقتلها أو يتركها وجلبها معه إلى هنا..
تتذكر سالي صباح الأمس في منزلها فيبدو لها بعيدًا جدًا, عجيبةٌ هي الحياة بما يمكن أن تحدثه في ساعات معدودات .
بعد ساعة خرجت وجلست على أول مقعد إلتقته في طريقها , كان جالسًا فبادرت بالقول :
-         شكرًا , هل لي أن أعرف أنا محتجزة هنا أم حرّة بالذهاب ؟
صمت حتى ظنّت أنها ضايقته بالحديث , قال فجأة :
-         بل أنتِ حرّة بالذهاب أنا متأكد أنك لم تري شيئًا ..
قالها ببطء وتابع :
-         فقط أريد أن أعرف ماذا كنتِ تفعلين هنَاك ؟
فكرت سالي هل تخبره ؟ هي لا تعرف من هو , خطر لها لثانية أنه قد يفعل مثلهم إن علم بما حدث لهَا ثم تذكرت أنّها بين يديه منذ الأمس , قالت وملامح الغضب والألم تظهر على وجهها :
-         أواثقٌ أنك تريد أن تعرف ؟
أومأ لها مستحثًا .
أعادت سالي التفكير للحظة قبل أن تروي كل شيء , بعد أن إنتهت خيّل إليها أنها ترى الغضب في وجهِه , ترى الكراهيَة , رغم أن وجهه ظل جامدًا وهو يسألها :
-         هل حفظتي رقم السيّارة ؟
هزّت رأسها أن نعم فتابع :
-         يمكنك إعدام ثلاثتهم بعمل محضر رسمي .
قالت وعلى وجهها يرتسم شعور بالعجز :
-    لا أعلم إن كنت سأفعل , لن تبحث عنهم الشرطة فلست ابنة أحد من الضباط ولا اقرباء لي من المسئولين , ما سأناله هو التشهير ومعرفة الناس بشكل يقيني أنني لم أعد عذراء وهذا ما يفكرون فيه !
وازداد شعور بالحيرة نطق من عينيها وهي تقول :
-    لا أعلم إن أخبرتهم في المنزل هل سيكون هذا لي أم ضدي , سيكون تبرير غياب ليلة كاملة صعبًا للغاية , ربما أطرد من منزلي إلى الأبد .
قال على الفور :
-         إن حدث هذا يمكنك القدوم إلى هنا مباشرة وأنا لدي أماكن أخرى .
 سادت لحظات من التفكير قطعها هو بأن نهض واختفى دقيقة في حجرة جانبية قبل أن يعود وهو يحمل المسدس الصغير الذي كان فؤاد سيقتله به إن لم يسبقه هو , فزعت حين رأته وقف أمامها وجذب إبرته وقال :
-         هكذا يعمل
فتح خزانة الرصاصات يريها إياها وهو يضيف :
-         سيكون هذا رادعًا لفترة محدودة ضد اي شيء إذا كانت لك الجرأة في حمله معك وإستخدامه .
تأملت السلاح وفي رأسها تدور عشرات المشاعر والأفكار, هل يمكن أن يخلصها هذا من الخوف الذي تكون له الكلمة العليا عليها دائمًا ؟ هل إن حدث شيء تستطيع الوصول إليه وإستخدامه ؟
ما المانع أن يحدث ما حدث مرة أخرى ؟ وما الذي منع حدوثه قبل ذلك !
سألته بغتةً وهي تتناول السلاح وتقلبه :
-         الآن عرفت ما تريده عني , هل لي أن أسألك عما رأيته بالأمس ؟
-         كلا .
بعد لحظة قال :
-         لقد استحقها ولو لم أقتله لقتلني هو .
ناولها حقيبة وضعت السلاح داخلها ووصف لها طريق الخروج والركوب وأعطاها خمسين جنيهًا .
-         لم أجد حافظة معك .
-         وهاتفي ايضًا أخذوه .
إلتقت عيناهما طويلاً قبل أن تشكره وتتجه إلى الباب وتخرج , ظل ينظر إلى الباب لدقيقة قبل ان يقرر إنتهاء هذا الفصل , سيعده جزءًا من رحلة تسليتهِ حتّى يتلقى الرصاصة التي ستقتله .
فؤاد الوغد لم يكن يحمل سوى ثمانمائة جنيه وهو بحاجة لما هو أكثر , جابر دائمًا يحمل الكثير لكنّه شرس ..
إلا أنه حتمًا يستحق .
***
حسن أبو العينين يملك كل شيء , المال , الأولاد , النساء , المصانع , النفوذ الذي لا يتزحزح بفعل الثروة التي لا تكف عن التضخّم .
شيء واحد لم يكن حسن يملكه , التحكم بعقول من حوله واهواءهم واتجاهاتهم , لهذا فرغم صداقته لشخصية للرئيس ورئيس الوزراء اللذين يرعون أرباحه ويتربحون منها إلا أن كريم إبنه الأصغر المدلل يمقتهم بشدّة ويراهم سببًا في خراب البلاد وضياعهَا .
في البداية عندما كان يسمع آراء كريم لم يعلق أهمية بل كثيرًا ما سخر منها مزاحًا , ولكن مع الوقت أدرك أن عقل الابن يرفضهم فعلاً , لا يعرف هل هذا تأثير الجامعة أم الصحف أم الانترنت أم الفضائيات أم اي شخص , يعرف فقط أن كريم صار مقتنعًا بهذا , صارَ ضدّه .
في البدء كان قلقًا من إظهار العداء لإبنه لخلاف سياسي ثم قرر أن الأمر يستحق , قام بتقليل مصروفاته حتى منعها تمامًا ولم يعد يعطيه اي مال يحتاجه ..
ثم قرر ألا يستخدم أيًا من السيارات بدون سائق يتلقى أمرًا مباشرًا منه , ودائمًا كان تغيظه تلك الابتسامة التي ترتسم على وجه كريم ولا يستطيع تفسيرها .
كلما فكر حسن أن هذه قرارات خاطئة زارته صورة كريم وهو ينفق لطباعة اوراق ضد الرئيس أو يمول مظاهرة او مؤتمرًا ضده فيقرر أن يحفظ قراراته ما دام كريم يفكر نفس التفكير .
شخصيًا لا يجد وقتًا لمتابعة أحد , إن كل هذه المليارات لن ينتبه إليها أحد مالم يفعل هو ..
وقد شكل له كريم كابوس جثم على صدره يحمله معه , هو يعرف السياسيين جيدًا وقد منحوه بطاقة عضوية في الحزب الحاكم , إنهم يبتسمون جيدًا ليحسنوا الغدر بك فيما بعد , وأعداءه كثيرون ولكن في السياسة اصبح كريم بلا شك منهم .
ذات مرة حدث ما كان أبو العينين يخشاه , إتصل به وزير الداخلية ليبلغه شخصيًا , لقد تم القبض على كريم أثناء توزيع منشورًا يدعو المواطنين في الشارع للانتفاض ضد الرئيس , بدعوى تخلف الدولة وفساد الحكومة , والتهم الموجهة له هي محاولة قلب نظام الحكم وتكدير السلم العام وتعطيل المرور ومصالح المواطنين .
لن ينسى حسن ابدًا أنه رجاه كثيرًا أن يفرج عنه , هذا النطع الذي يحصل منه على ما يقارب العشرة ملايين جنيه سنويًا لوزراته بدعوى تأمين منشآته ومصانعه , لم يستجب الوزير لاي من رجاءاته بحجة أنه بين يدي النيابة الآن , قال له أن الأمر بيد الرئيس فقط , وقد عرف حسن أن الرئيس وعصبته سيستغلون الأمر لزيادة مكاسبهم منه ومساومته على حرية ابنه وقد حدث .
عندما أخرجه ورأى نظرته المتحدية الوقحة شعر انه كان بحاجة لتركه أكثر , لم يضيع وقتًا وقد قرر أن بإمكانه الآن فعل ما هو أكثر إن كان سيضايقه شخصيًا .
قرر حسن أن كريم لن يظل هنا ولن يدرس في الجامعة الألمانية , سيدرس في ألمانيا نفسها , ولم يوافق كريم بسهولة , الحقيقة أنه لم يوافق أبدًا ولكنه لم يستطع الوقوف ضد إرادة أبيه ونفوذه .
بعد اسبوع واحد من هذا الحادث كان كريم في طريقه إلى ألمانيا بينما بدا حسن يلتقط أنفاسه أخيرًا وإن ترك الأمر جرحًا غائرًا في نفسه , لقد دفع الثمن غاليًا وعليه أن يجني منافع تفوق هذا الثمن .
أمسك بقلمه وبضعة أوراق ليخطط لبعض المشاريع القادمة التي قد يحتاج فيها رجال الدولة , عجز عن التفكير وشغله شأن قراره وفعله بكريم ومدى صوابه .
هذا المتمرد الذي لا يعرف شيئًا عن الحياة ولم يكسب جنيهًا واحدًا , هذا الشاب الذي لن يهدأ ولن يرضخ لقهره أبدًا , إبنه وهو خير من يعرفه ..
الثورة لعنة تصيب عقل من يحملها فلا يهدأ أبدًا وإن هدأت حواسه اختيارًا أو قهرًا , يعلم الآن أنه لا سبيل لتغيير قناعات إبنه سوى التجارب نفسها التي ستؤكد له أفكاره أو تكسرها .
بدأ القلق يتسلل إلى نفسه مرة أخرى ولا تفارق خياله صورة كريم الذي كان يهبط في مطار برلين في هذه اللحظة ليبدا حياة جديدة ..
***
رغم أن جابر حديثٌ في المهنة , إلا أن ظهوره في فترةٍ كانت الحكومة قد امسكت فيه بكبار التجار ساهم في شهرته سريعًا, لو كان المعلم أبو ملك في المنطقة فلم يكن أحد يجروء على مجرد التفكير في منافسته .
الصبيان كثيرون جدًا , الآن لا يكاد شارع في مصر يخلو من واحد أو اثنين أو أكثر , ولكن البضاعة التي يبيعونها درجة عاشرة جوار ما يبيعه , هو يعرف المدمنين حقًا ولا يبيع سواهم ولا يغش بضاعته .
لهذا صار لجابر إسمه سريعًا , صار دخله في اليوم الواحد يفوق الثلاثين ألف جنيه , عندما ابتاع منه آخر مرة منذ ما يقارب الشهر كان جابر يحمل مبلغًا كبيرًا يسير به في يدهِ , ولكنّه كان حيًا حينئذٍ لم يكن قد قرر أن نفسه ماتت .
لماذا اختار جابر ؟
لأنه تاجر مخدرات كبير ووحيد , ولأنه يحمل مالاً كثيرًا وثالثًا وهو الأهم لأنه مستغل , لهذا السبب الأخير يذكر أنه كف عن التواصل معه بل وعن شرب الحشيش , ولهذا السبب الأخير قرر أن يقتله اليوم .
على عكس فؤاد كان يعرف اين سيجد جابر , يعرف الجميع ذلك المقهى الذي يجلس به يوميًا , زبائنه يعرفون ومعارفه و من يريده و الحكومة التي لم تقبض عليه مرة واحدة حتى الآن مع علمهِ أنها ترصده جيدًا منذ جلس على مقعد المعلم السعيد ابو ملك رغم أنه لم يتجاوز الثلاثين بعد , وربما كان هذا أكثر ما لفت الانتباه له .
جابر يأمن الحكومة هذه الفترة, هناك عدد من أمناء الشرطة يشربون من حشيشه وهم من كل الأقسام حوله , يخبرونه بأي استهداف له قبل أن يخرج من مكانه , كما أن الشرطة نفسها لا تكف عن مسك الصبية اللذين يبيعون قطعًا صغيرة على النواصي , يومًا تحبسهم , يومًا تفرج عنهم ,يومًا تجلب عن طريقهم بعض القضايا , يومًا تعينهم مخبرين على بعضهم البعض .
لهذا حين وصل إلى المقهى المتواضع في أعماق الشارع الشعبي لم يحتج لمهاتفة جابر فقد وجده جالسًا أمامه على المقهى يضع ساقًا على ساق ويمسك بخرطوم لشيشة ينفث دخانها في يسراه بينما تعبث يمناه في هاتف محمول حديث وحوله مجموعة من الشباب الصامت المتأمل على مقاعد متفرقة .
رفع جابر بصره عن الهاتف لحظة فوجده واقفًا أمامه , بدا عليه التذكر وهو ينظر للهاتف مرةً اخرى ويشير بيده التي تحمل الخرطوم له ليجلس , قال :
-         اللعنة على أم الهواتف الجديدة , هذا الهاتف معي منذ أسبوعين ولا أعرف كيف أستخدمه !
والتفت إليه متابعًا :
-         هل تعرف كيف أعين نغمةً للرنين ؟
أومأ له برأسه فبدت سعادة كبيرة على وجه جابر .
-         انتظر سأختار النغمة المطلوبة .
ثم قال وهو يعبث بملفات الجهاز :
-         ماذا تريد ؟
إلتفت هو حوله ليجد الجميع مشغولون عنه وكأنه غير موجود
-         بكم الأوقية ؟
-         أربعمائة .
لهذا اختار جابر وعرفَ أنه يستحق , أربعمائة أيها اللص كاد يصرخ بها ولكنه كتمها خلف قناعه الجامد , راجع في ذهنه خطة لقتل جابر فقاطعه صوته وهو يضع الهاتف في يده :
-         أريد هذه النغمة !
تناول الهاتف وتأمله , آي فون أحدث طراز , تجارة المخدرات مربحة إلى حد كبير , قام بتعيين النغمة وأثار غيظه أن يجدها للشيخ مشاري الكويتي وعنوانها أنا العبد !
قال لجابر :
-         أريد واحدة .
-         إنتظرني في الشارع الخلفي بعد دقيقتين .
وفي الشارع الخلفي وقف يتأمل المسرح , كان مظلمًا لا يضيئه سوى مصباحَان صفراوان على أول السور الذي يحتل أحد جانبي الشارع كله وداخله يقبع ملجأ الأيتام الأكبر في المدينة , بينما الجهة الأخرى من الشارع محلات عتيقة مغلقة اختفى نصفها تحت الشارع نفسه .
بعد خمس دقائق رأى جابر يدخل الشارع وكان الظل أمامه رهيبًا بفعل الضوء , تأكد من أنه يحمل سلاحه الناري قبل أن يتأكد من السكين التي يدسها في ظهره ..
سيكون صوت الرصاصات هنا عاليًا وسيجلب المدينة بأسرها , اقترب منه جابر حتى واجهه , وضع قطعة الحشيش بيده فقلبها قبل أن يخرج حافظته وينقده المال , لقد غير خطته مئة مرة ولكن جابر كان قوي البنية , أعاد الحافظة لجيبه ووقف يخبيء قطعة الحشيش ويراقب جابر الذي أعطاه ظهره وشرع في العودة .
كان المصباح أمام جابر فلم يشعر بالقادم خلفه , لم يشعر به إلا والسكين تمر أسفل ذقنه في سرعة وشدة , عندما حاول الصراخ عجز ليعرف أنه لم يعد هناك صوت , عندما تهاوت الرؤية أمام عينيه ودارت الدنيا أمامه ليكتشف أنه ممدد على الأرض حاول النهوض , عندما فعل ذلك أدرك أن ما يتذوقه على الأرض مرغمًا دماءٌ تسيل من عنقه .
عندما كف عن الحركة لم يضيع هو وقتًا فهو لا يملك الكثير منه , خلاصه الآن يعتمد على ألا يراه أحد , كان متعجلاً وهو يجرد جابر من ماله لكنه كان كثيرًا بالفعل , يبدو أنه حرم مصر كلها من حشيش جابر .
لم ينس أن يأخذ الآيفون الذي بالتأكيد ابتاعه جابر ببضع أوقيات من المخدر .
حين انتهى من تفتيش الجثة وتنظيف غنيمته من الدماء , علم أنه اندمج في فعلته أكثر من اللازم حين سمع صوت جذب ابرة السلاح الذي يحفظه خلفه مباشرة , تقبل عقله في ثانية واحدة أنه أخيرًا سينال الرصاصة التي يحلم بها إلا أن الأمر جاءه على نحو رسمي :
-         استدر في بطء ويداك فوق رأسك .
من الصوت عرف أنهم ليسوا رجال الشرطة وإن لم يكن هذا ليغير شيئًا , حاول أن ينعزل عن من يهدده والقى بصره يتأمل الشارع أمامه , كانت الجهة المتاحة هي تلك التي أتى منها جابر .
***
عندما هبط في برلين لم يكن كريم يصدق بعد أنه سيترك مصر هذه الفترة , أنهى إجراءات خروجه من المطار ليجد في استقباله برانت بزي رسمي , أخبره أنه معين من والده لخدمته وتيسير رغباته ومتابعته .
إستقل كريم السيارة مع برانت وبدأ يرى شوارع برلين للمرة الأولى , رغمَ أن والده واشقائه دائموا السفر إلا أنه كان يرفض صحبتهم تمامًا ويتمسك بالجلوس مع أصدقائه في مصر , هؤلاء اللذين ابتعد عنهم الآن مرغمًا .
كثيرًا ما تركته اسرته في رعاية أحد وكثيرًا ما تركوه وحده لكنه اختار هذا في كل مرة , لا يذكر إلا سفرًا قليلاً للإمارات والصين واندونيسيا صغيرًا أم كانت ماليزيا ؟ وكله سفرات قصيرة كره بسببها ذلك الحصار المفروض عليه ألا يعامل أحدًا في سفره إلا كابن رجل مهم جدًا ومع أبناء الرجال المهمين جدا فقط !
بقدر ما ابهره جمال الشوارع والمباني الفاخرة ونظافتها التي يمر بها في طريقه بقدر ما شعر بالغيظ والحسرة لأن مصر لا ترى هذه الصورة إلا في حدائق والده الخاصة وأمثاله .
لم تكن قد مرت دقائق قليلة قبل أن يمر بذلك المبنى الضخم , لفت انتباهه وجود الأعلام الرسمية على كل ركن من أركانه .
قال له برانت والسيارة تمر جواره :
-         مبنى الرايشتساج , البوندستاغ الألماني أو البرلمان .
تأمل كريم جمال المشاهد حوله ولم يستطع إبعاد الأفكار عن ذهنه , إن هذه الحياة ليست صعبة للغاية لماذا هي مستحيلة بالنسبة لأبناء وطنه اللذين لا يرون شوارع نظيفة إلا الشوارع الهامة التي تكون مزدحمة معطلة المرور .
لماذا لم يحاول أحد تغيير الواقع بجدية , يعرف أن والده وحده لو رغب في تفعيل حملة لاقناع الناس بأي شيء فسيفعل , لماذا لا يهتم أحد ببناء الوطن حقًا ؟ هل عليه أن يستمتع بعمارات وحدائق ومدن وقصور والده بينما الوطن خراب .
قال له برانت وهو يناوله هاتفًا :
-         سأتركك قليلاً للراحة , اتصل بي عندما تريد الخروج .
تابع قبل أن تتوقف السيارة مباشرة :
-         أمامك أسبوع كامل قبل أن تبدا الدراسة , برلين جميلة ستحبها جدًا .
ترجل من السيارة ودار حولها ليحمل حقيبة كريم الوحيدة ويتقدم حتى باب المنزل ويفتحه ويناول مفتاحه لكريم .
قبل أن ينصرف نادى هيلين الخادمة , أخبره أنها مسئولة عن راحته هنا وتوفير ما يرغب به .
انصرف برانت بينما قادت هيلين كريم عبر المنزل الواسع إلى غرفة نومه , أمرها بالذهاب وبقي يتطلع إلى الأثاث الفاخر والحجرة الواسعة , تعجب أنه لم يشعر بالسعادة إزاء كل هذه الفخامة .
دخل حمام الحجرة المنفصل ليغتسل من رحلته , لم يشعر بالتفاؤل ولكنه لم يعد يشعر بالنفور , عليه أن يواجه الواقع , لقد ترك وطنه لفترة طويلة .
مع أولى قطرات المطر المنهمرة فوق رأسه تتدفق الذكريات ..
هدى ؟ كيف هي الآن وهل ما زالت ترفض محادثته ؟
هل علمت بسفره .
زملاءه في الجامعة ومن أحب رؤيتهم .
أسامة وياسر اصدقاءه منذ الطفولة .
تنهمر المياه ومعها الذكريات والتفاصيل ..
حين انتهى من تجفيف جسده كان قد قرر ان ميلادًا جديدًا بدأ هنا , بدأ الآن ..
ضبط ساعته على التوقيت الجديد , ومدد جسده على الفراش المريح , وراح في النوم .

يتبع
طارق عميرة

Thursday, October 31, 2013

إحترامي ..

إحترامي للي ثاير
هوا أعظم احترام
هوا عارف يعني ايه
بالهتاف يقلب نظام
راية الحق في قلبه
بترفض العيشة الحرام
كل مرة الفكرة فشلت
يعيد نضاله بانتظام
مرة يعمل حملة حلوة
مرة ينزل في اعتصام
مرة يرجع صوته ضايع
مرة برصاصة في عظام
مرة يتاخد في حملة
ويمنعوا عنه المنام
احترامي للي ثاير
احترام مفيهوش كلام
احترامي للي ثاروا
عالفساد كل السنين
حتى لما الثورة قامت
مسألش حد همّا مين
عالرصيف كانت نومتهم
لأجل كل المظلومين
وفي حياتهم المعاملة
جاوزت الحد المهين
احترامي للي باتوا
بالشهور جوة السجون
والقضية لكل واحد
هوا ليه وطنه يهون
اللي سال الدم منهم
كل جرح وكل لون
لما كان الغدر بيهم
حالة واحدة من الجميع
القانون واقف قصادهم
والحاكم فيهم يبيع
اللي كانت الناس تشوفهم
عبط خارجين ع القطيع
كانوا نور وفي وسط نار
كانوا نسمة من الربيع
كان إيمانهم بالسقوط
مانع الحق يضيع
وبعملهم للغلابة
علموا الطفل الرضيع
احترامي للي ثاير
اللي كان وسط الميدان
واللي كان قاعد بيفضح
في اللي سرقوا من زمان
واللي كان واقف بيرسم
الرسايل ع الحيطان
واللي رايح جاي يغني
عالمسارح والموبايلات والكمان
احترامي للي آمنوا
قبل ما الدم يسيل
واللي مشيوا مع الغلابة
لما كان ليهم بديل
حتى لما بيسمعوا
كل يوم كلمة عميل
احترامي لكل دول
احترام مالهوش مثيل !

طارق عميرة

Friday, October 04, 2013

حكم المشايخ

دي قصيدة كتبت في منتصف يناير السابق أيام اديلو فرصة متنبأة بالثورة الجديدة
وكنت مصمملها هذا التصميم
زمن المشايخ لما جاناقلنا ايه يفرق معانَا 
يمكن في ساعة في عهدهم 
راح يعرفوا معنى الأمانَة 
يمكن يكُونوا مخلصين ..

إزاي نخاف من عهدهم .
ودول شيوخ المسلمين ؟!
إزاي ندوّر عالعدَالة ؟
وحكّامنَا أصحَاب اليمين !
المشايِح لما حكموا 
كلّه ردد في ارتياَح 
يلّه آهي يا بلدنا بانت 
من جديد بشرى الصباح
اللي كان بالأمس منكر 
خلته الثورَة مباح 
اللي كانوا في السجون 
ركبوا عالثورة بجناح 
واللي كانوا منبوذين 
عندهم خطط انفتاح 
المشايخ لما قامُوا
قالوا نهضة مالسرير
قالوا لما الدنيا باظِت 
ربنا بعت النّذير
مهما كان الفرق عنك 
هوا احسن من حقير
قالوا ان الفرصة تايهة 
وان وضع الجيش خطير
والفساد مالي الحكومة 
والوزير زي الوزير
واما حكموا كان كان كلام اليل بزبدة
تدهنه يصبح فطير 
مهما كان الوضع سيء
فاحنا ارحم من كتير
لما قطر في قطر يدخل 
يبقى قدرك مِــالإله 
لما دمك يبقى سايح في الشوارع 
فالسكوت طوق النجاة
لما تعند لما ترفض واما ترفع
فوق في راسك للطغاة 
تبقى رافض للعدالة ومش ضروري
تبقى موجود في الحياة 
المشايِخ لما حكمًوا قلنَا رحمَة 
هوا ايه في الدنيا أسوأ مما كان
ياخدوا فرصة وماله ننسى في اللي فاتوا
هما ليهم رؤية تانية من زمان 
هما عارفين معنى الأمانة اللي في ايديهم 
مصر مش عزبة جماعة أو كيان
واما حكمونا المشايخ 
شفنا أعجب مِـ العجيب
شفنَا أدب الشيخ وغدره
باللي كان صاحب حبيب
شفنا فن جديد بحاله 
في العقاب اسمه النصيب
شفنا اللي بيشتموا 
بالحلال متقولش عيب
شفنا اللي بيظلموا وبيكذبوا 
وبقلب ديب
شفنا اللي يشجعوا 
عالتحرش بالبنات
التخلف لما يظهر 
واما في الجهل يبَات 
ايه اللي طلعها أساسا ؟ 
يله نعمل انفلات 
شفنا لما شباب يعارض 
يبقوا كفرة بتوع فساد
يبقوا خونة باعوا مصر 
دول بقايا قوم عاد
والحقيقة الكل عارف 
مين هنا سرق العبَاد
مين غلطنا في اختياره 
وانجازاته في البلاد
لما حكمونا المشايخ
كان فيه منا معرضين 
واللي قالوا مكملين 
مهما كان اللعب بايخ 
مهما قالوا علينا كفرة 
مهما كنا تعبانين 
مهما كان العقل دايخ 
واللي قعدوا واللي سكتوا 
واللي كان مالضرب نايخ 
كل دول رجعوا ف ثورة 
لما حكمُونا المشايخ

طارق عميرة

Thursday, October 03, 2013

لما بكرة ييجي الفرج

كانت أول قصيدة كتبتها وفازت في مسابقة بعد كدا ودلوقتي حبيت اراجعها لنعرف إلى أين المسار


لمَّا بكرة ييجى الفرَجْ
هرجع أدوَّر عاللِّى فات .. 
من غِير كُسُوف.. 
مٍِن غير حرَج .. 
هرجع ألملمْ في الفتات . 
.هرجَع أجمَّع في الشتات .. 
وأبنِي في البيت اللى اتهدَمْ 
وأجيب ضَميرِي اللي خرَج. 

هرجع أدوَّر في الشوارِع والحَارَات.. 
على اسم مَصْر اللى اتنسى .. 
على سِحْر مَصر اللي اندَفن .. 
على دم مَصْر اللي اتْهَدَر 
وهلف دايمًُا فى الصحارى والواحات 
وأجيبلنا الشهدْ مِن بطن الجَبل.. 
وأزرع مَكَان مُرّ السنين سكر .. 
واحط فى اسوار ربوعك عسل .. 

لمَّا بكرة ييجى الفَرَج 
همسح بُحُور الذِّكريات .. 
همسَح تاريخ المليونات .. 
هكتِب لِمصْر تاريخ جديد .. 
تاريخ مشرِّف للي فات .. 
تاريخ يكمِّل خطنا اللى انقطع بسنين عِجاف.. 
هبني الصحارى بالجناين .. 
هبنى العماير في الساعات .. 
وهرخَّص العيش فِي المَخابز .. 
وهصَّحي في الشَعبْ اللي مَات ! 

هنفخ في صُورة ضعفِنا .. 
وهمد حبل المعرفة للي كبر .. 
هقطع السوط اللى ماسك عقلنا .. 
هخمد الصوت اللى انتشر .. 
صوت الخُمول .. 

صوت السكوت . 
.صوت الكُرُوش .. 
صوت القروش .. 
صوت كبد مصر اللى انفطر .. 
همسح دموعكو بمنديلين .. 
منديل معطر .. 
واوراق شجر . 

لمَّا بكرة ييجي الفَرَج 
هجيب مناهج تتفهم .. 
هجيب أساتذه معلَّمين .. 
وههد فى اسوار العساكر .. 
وافك قفل الملجومين.. 
هغرس شجر وسط المَجَاري ! 
وهحول اكوام البطاطس تين ! 

وهعلي صوتي اللى كَتمته من سكات .. 
وهرش ميَةتقومني من السبات .. 
وهقوم من الكرسي الحصين وهقول .. 
انا بمشي .. راح فين الشلل ! 
هعمل حاجات تنفع كتير 
بس .. 
لمَّا بكرة ييجي الفرَج! 


 طارق عميرة
 2007