أمــــــــــــــــــام الله
طارق عميرة

على الجانبين تصطف الملائكة وهم يمارسون دورهم الأبدي في الثبات غيرَ أن اليوم لم يعهدوه من قبْل , يوم عصيب لم تر السماوات مثله قط , هم اللذين إعتادوا الخلود والأبدية ماتوا في بداية اليوم ثم أحياهم رب العرش مالك الملك العدل الذي لا عدل بعده .
السماء حمراء بلون الفزع والكواكب أصابها الخراب وضربت بعضها البعض ليشاء الرب أن يضع نهاية الكون في موعدٍ مفاجيءٍ للجميع لم يكن معلومًا لسواه ..
يعرف الملائكة أنه ما زالت هناك الجنة والنار وأن الجنّة كبيرة بما يسَع مجرات وسماوات كاملة , ولكنهم إصطفوا صامتين غير عابئين بالخلائق الحاشدة المنتظرة في أرض المحشر , والتي صارت عالمهم الذي لا خلاص منه إلا بالحساب والوقوف بين يدي الخالق والحاكم الآخر الذي لا نهاية له فقد إنتهى عالمهم وما كان قبل اللحظة .
في الخارج تقف الخلائق ساقًا بساق لا شيء يشغلها عن نفسها , تقف الأسود بجوار الغزلان بجوار سائر مخلوقات الله حتى جميع بني آدم اللذين يقفون عراة وعلى وجوههم تظهر نظرة الفزع والهلع وعلى أجسادهم تنهمر أنهار العرق وبالقرب من رؤوسهم تحلق الشمس شديدة الحرارة والتي يتحملونها جميعًا في جلدٍ مجبرين عليه .
وسط الخلائق المنتظرة يخرج ملَكٌ من الملائكة ويهتف :
يتلو النسب حتى يصل إلى / إبنة حواء التي خلقت من ضلع آدم , فيجد المقصود نفسه مدفوعًا بقوة حتّى يصل إلى الملَك الذي يأخذه ويخرج به من الباب الوحيد في المحشر ..
ولم يكد يعبر الباب حتى وجدَ شوقي أن الملَك و الباب قد إختفوا ليظهر بابٌ آخر لا بدّ عن الدخول منه ..
لا يعلم كم مر من الوقت ولكنه يعلم أنه طويلٌ جدًا , أخيرًا وصلَ إلى ساحةٍ فسيحة وقد بلغ منه التعب مبلغًا عظيمًا , تمزقت قدماه و إلتهب جسده , فجأة ذهب كل ذلك وحل محله حيوية ونشاط وهو ينظر فلا يبصر بسبب نورٍ شديد القوّة خطف بصره في أقل من ثانية ..
فتحَ عينيه بعد برهة ليشهق في إنبهار , يرى ما لم يكن يمكن أن يتخيله , تمنى أن لا ينتهي ما يراهُ ابدًا , كان الله مستويًا على العرش الذي تصطف الملائكة حوله وحولهم تبدو أجمل المشاهد التي رآها وسيراها .
ترتسم على وجه شوقي علامات السعادة والإنتشاء , هو الذي كان مشغولاً منذ دقائق بهول ما سيراه , الآن يشعر بإطمئنان لا حد له لدى رؤيته العرش والخضوع والخشوع المحيطين به , خاصةً انه لا يستطيع وصفَ هذا الذي يراه مهما بلغت به البلاغة .
لحظة وتعود السماء إلى لونها الأحمر المائل إلى السواد , ويشعر شوقي بتغيرات تطرأ عليه , تنمو لحيته ويبرز شعرها كثيفًا و تظهر جروح بأماكن متفرقة من جسده بينما في يمينه يجد أنه يمسك بزجاجة مولوتوف وفي شماله يمسك بقداحة معدنية ثم في رقبته يظهر ثقب لرصاصة قاتلة يشعر بألمها وهو يعلم أنه لم يعد هناك موتٌ الآن , يسمع الصوت يرجّ الأرجاء ويزلزل كيانه في قوّة :
ينطق لسانه على الفور :
ويتذكر عقله وتنبسط أساريره وهو يتذكر كيف مات شهيدًا في سبيل الله , ومن اجل إعلاء دينه والدفاع عن معتنقيه , كيفَ إحتجز النصارى الكفرة فتاةً أسلمت فأثاره هذا , كيفَ أنه ورفاقه وحدهم إهتموا بالأمر وبحثوا عن حق الله بينما الباقون غارقون في حياتهم الضائعة وشهواتهم , يدوي السؤال في ذهنه فيصعقه :
يصمت شوقي قليلاً .. يفكر ويجيب :
يتذكر كيف سارَ هو ورفاقه إلى الكنيسة التي أشيع أن الفتاة محتجزة بها وإصرارهم على تفتيشها , وكيف رفض المسئولون ذلك فجلب أصدقاءه وحملوا السيوف والأسلحة مصرين على فعل ذلك بالقوة لتبدأ المعركة التي أستشهد فيها ..
يفزع وهو يرَى جلده يُنزع عنه ويسقط تحت قدميه ثم يبدأ اللحم في التساقط من وجهه وجسده , ويسمع صوت الله الغاضب وهو يقول :
قال شوقي :
يقول الرب :
يجيب لسانه على الفور :
يقول شوقي :
يقول الله :
يقول شوقي :
يقول الله :
بلى فعلت , لتريح نفسك من عناء التفكير والحقيقة أن هذا ضرّك ولم ينفعَك , لأن موتك كان منفرًا عني مشينًا لأتباع ديني ناقضًا لقواعدي وعهودي التي جعلتها في ديني الذي إنتسبت إليه , كنت تصلي يا عبدي – وأنا أعلم – تتظاهر بأنك تريد الآخرة وتزهد في الدنيا وأنت أكثر الراغبين في الدنيا حقيقة وما فعلك إلا لتبريء نفسك أمامي ..
أنت يا عبدي رغبتَ في كسب الدنيا فإرتديت ثوبًا نسبته إليّ , ومضيت تحدث البسطاء وتفترض أنك أكثر منهم علمًا واعظم منهم دينًا وإذا عارضك أحدهم جهلّتهُ أو كفرته , الحقيقة يا عبدي أنك سأمت دورك وخشيت التراجع عنه فبحثت عن ما يخلدك أكثر وسعيت لتقود الناس بإسمي أو يشاهدون موتك فيخلدونك لأنك مت من أجلي ..
الحقيقة يا عبدي أنك كنت تتخذ ديني و مظاهره كغطاء للحصول على مآربك واهدافك وتقول أنه بمشيئتي وبعبادتك لي وبرزقي لك , الحقيقة يا عبدي أنك أسأت لي كثيرًا بأكثر مما يفعل ملحد لم يهده عقله إلي ..
يرتجف شوقي أمام الرب في شدة فيسأله الرب :
يقول شوقي في فزع :
يشعر شوقي ببروز فمٍ آخر في صدره ويسمعه يقول :
يمد شوقي يده ليمسك ذلك الفم فيجده قد صمت واختفى , بينما تزداد إرتجافات شوقي وهو يتمنى الموت ولكنه يعرف أنه لن يأتي أبدًا , بينما يسمع صوت الله مخاطبًا ملائكته :
ينهار شوقي ويصرخ :
يقول الله بينما تتحول بعض الملائكة إلى ملامح بشعة كريهة وهم يجذبون شوقي من ساقيه ويجرونه على وجهه :
ويقول والباب يظهر ليدخل وافد جديد :
يصرخ شوقي ويحاول الكلام ولكن آلام الأرض التي يجذب عليها منعته من فعل شيء سوى الصّراخ , صراخ سيمتد طويلاً
11/5/2011