Saturday, May 26, 2007

البحث عن موت !


السلام عليكم

فى البداية أود القول بأن مشكلة التعليقات ليست بيدى , أبلغنى كثيرون أنهم لم يستطيعوا التعليق وقد حاولت بنفسيولم أستطع التعقيب , ولكن هناك تعقيبات تضاف من وقت لآخر ويبدو أنه يكون هناك وقت محدزد للتعليق أو أن هناك مشكلة ما بالمدونة بخصوص هذا الأمر سأحاول حلها قريبًا جدًا باذن الله , خاصة أن هناك مشكلة أخرى بالعداد , وبالشعار , والخ الخ

القصة التى ستقرأونها الآن طويلة نوعًا ما وستروق لبعضكم وسيلعننى بعضكم كالعادة , ولكن لهذا الطول سببه , فلن يتم اضافة أى موضوع جديد للمدونة حتى العاشر من يونيو المقبل , أى موعد انتهاء امتحاناتى , بعدها أعدك بتجديدات لا بأس بها ..

إلى القصة:-


البحث عن موت


كثيرون هم من سأموا الحياة حقًا , كثيرون أيضًا من يشعرون بالملل , وقد كان سامح أحد هؤلاء الكثيرين , لم يعد يدرى ما دوره فى الحياة , يسأل نفسه السؤال المعتاد :- لماذا أنا هنا ؟ , ولكنه دائمًُا لا بجد اجابة فعلاقته بالله ليست قوية إلى هذا الحد.
هناك من يشعرون بالملل لأنهم جربوا كل شيء واعتادوه , لهذا لا جديد فى حياتهم فهى تمضى مملة كئيبة , كل يوم يمضى ككل يوم أتى وسيأتى , هناك أيضًا من يشعرون بالملل لأنهم يملكون الوقت ولكنهم لا يدركون فى أى شيء يضيعونه , مشاهدة قنوات الدش أم لعب التنس أم الجلوس على المقاهى , وكثرة تفكيرهم فى الأمر تورث الملل , أما سامح فقد كان من نوع مختلف عن النوعين السابقين , كان ملولاً لانه لم يجرب أى شيء بعد !
حاول أن يجرب كل شيء ولكنه لم يفلح فى أى شيء ,هو يعلم اسباب فشله ويعلم ايضًا أنه لو حاول مرة فى مرة فسيفشل فى جميع المرات لأنه لا عوامل للنجاح , لهذا سأم أن يحاول , فجلس لا يفعل شيئا , سأم الجلوس فهل سيعود ليحاول ويتم ملحمة السأم من جديد ؟
كان سامح شابًا عاديًا من اسرة متوسطة الحال , شاب لا يعنيه فى الحياة شيء ولا يحمل هم أى شيء , بدأ يشعر فى النهاية أن عليه أن ينتبه لمستقبله , وقد كان اهتمامه بمستقبله هو نقطة البداية والنهاية فى الآن ذاته ! ,إن أقصى ألم يمكن أن يشعر المرء به هو أن يحلم بشيء يدرك أنه واقع ولكنه لا يستطيع أن يحققه لمجرد أن هناك من يملك مالا أكثر منه فيتزوج بحبيبته أو يشترى الشركة التى كان ينوى شرائها , لا يستطيع تحقيقه لمجرد أن هناك من هو أقرب منه لصاحب الحق فى اشغال المنصب رغم أنه ليس أكثر تفوقًا منه , أن يترأسه أحدهم يعلم جيدًا أنه لا يستحق مكانه , هذه هى المعاناة الحقيقية !
ماذا عليه أن يفعل حتى يكون له مستقبل عملى , يدور فى فكره يمينًا ويسارًا ثم يتأكد من الحقيقة المفزعة , انه لن يستطيع عمل شيء , فقط عليه أن يكمل كليته ويخرج منها ليلقى بالمؤهل فى أقرب مقلب للقمامة ثم يعمل أى عمل يسره الله له سواء فى لصق البلاط أو غسل الصحون , المعادلة صعبة , هو لن يفتح أى مشروع الآن الا اذا عمل نصابًا لفترة لا بأس بها , والعمل اليدوي الآخر سيأخذ جل وقته تقريبًا ولن يترك له وقتًا للدراسة , لهذا آثر أن يكمل تعليمه بمصروفاته الهامشية مع الغاء شيء اسمه المستقبل من حياته نهائيًا , تفكير عملى للغاية فليذهب المستقبل الى المستقبل , هو لن يشغل نفسه بهذه الترهات , سينتظر حتى يتوفى جد له لا يعرفه غتهبط عليه ثروة من السماء تمكنه من تحقيق شيء ما , وقد ساعده على نسيان مستقبله علمه بأنه أفضل من شباب كثيرين , لا يملكون دراسة سنة جامعية واحدة !
فى أحد أيامه الجامعية وجد سامح أمامه مظاهرة , طوال عمره كان يسمع عن المظاهرات ولكنه لم يشترك فى احداها من قبل فضلا عن أن والده كان يمنعه من النزول من المنزل حين يكون هناك أمر مماثل خوفًا عليه , لهذا فقد جذب الأمر انتباه سامح بشدة , تابع الأمر بنظراته , وخطى قليلا بجوار الجموع الثائرة السائرة.. يهتفون .. يرددون هتافات بأعلى اصواتهم حول الاقصى والازهر والعرب و الأعداء ..لافتات كثيرة معلقة , وأعلام تحرق , واسماء تسب واسماء تشكر , وسامح يتابع هذا ببصره , ولكنه وجد فجأة حائطًا بشريًا يقابلهم كأنه قد خرج من العدم , كان الحائط بشريًا ولكنه لم يكن كذلك تمامًا , هناك الكثير من الخوذات والدروع والعصى البلاستيكية المؤلمة الجارحة والأسلحة الغير مؤذية الى حد كبير والقنابل المسيلة للدموع الخ !
التقى الفريقان أمام عيني سامح , أثار انبهاره ثبات الهاتفون على موقفهم بينما العصى والاسلحة تعمل فيهم وتؤذى أجسادهم , تنطلق الصرخات من الأفراد مشحونة بالغضب والكراهية لكل سلبي .. ومؤكدة لما كانوا يهتفون به منذ لحظات , صف ثان مدرع يأتى من خلف الصف الأول ليزداد عدد الفريق الثانى .. وصف ثالث .. ورابع .. حتى تفرقت الجموع وما زالت الكلمات على أفواهها .. تفرقت من فرط الألم , تفرقت وهى تسعى للالتحام مرة أخرى فتزداد ابتعادا عن بعضها البعض , ومع تزايد الضربات والركلات والألم بدأ البعض يركضون , ثم البعض , ثم الجميع حتى تفرقت الجموع فى النهاية ووقفت القوات المدرعة بعض الوقت ثم بدأت فى الانسحاب مثلما أتت ..
انسحبوا مخلفين وراءهم الكثير من الألم والأشخاص المتناثرين يـتألمون على جانبي الطريق , كان سامح مذهولاً .. يقف مشاهدًا فقط , ولكنه قرر أخيرًا أن يكف عن دور المشاهدة وتوجه الى أحد الشباب المتألمين جانبه , كان الشاب يتأوه بصوت عال وملامح الغضب والمقت متجلية على وجهه , قاطع تأوهاته مجىء سامح الذى بادره بالقول :-
- صباح الخير !
تطلع اليه الشاب للحظات ووجهه يحمل نفس التعبير ثم قال فى سخط :-
- أى خير !, قل صباح الشر يا أخى , صباح الضرب , صباح الذل , صباح الاستعباد , أى شيء من هذا ولكن لا تقل لى صباح الخير من فضلك , أستغفر الله العظيم , عفوًا .. آسف حقًا , ولكننى غاضب كما ترى وان لم تكن قد شاهدت ما حدث فقد جاء أعوان أسيادنا ليؤدبوننا على تذمرنا لهوانهم وضعفهم ..صمتهم على ما يحدث , اهتمامهم بمصالحهم الشخصية وتركنا هكذا بلا مأوى أو وظائف أو أى شيء آخر .. ولكننا لسنا هنا لنطالب بأشياء لنا , ان الدين هو اغلى قيمة لدى المرء ان لم يكن هو أساس القيم , وهوانه يعنى هوان البقية , وهذا ما نعترض بصدده !
داعب الحديث جزءا ما فى عقل سامح .. وأعاد اليه تفكيره الأول , بشأن مستقبله , لهذا لم يتمالك نفسه فى أن يسأل فى شغف :-
- ولماذا لا تتظاهرون بشأن المأوى والوظائف والأشياء الأخرى ؟
نظر اليه الشاب نظرة مدققة ليرى ان كان يتحدث جديًا أم يمزح فوجد ملامحه جادة فقال ساخرًا من سذاجة سامح :-
ومن قال أننا لم نفعل ؟ فعلنا كثيرًا وكثيرًا للغاية , ولكن ستجد الكثيرين من مجعى الثقافة يتهمونك بالاهمال فى حق نفسك وهو أمر دقيق نوعًا , لو استذكرت دروسك وتفوقت وكان طموحك عاليًا فلا بد أنك ستعرف كيف تحل مشاكلك , ولكنهم لا يدركون أن المشكلة فى العجز عن التفوق , ان العصر الآن ملىء بالاغراءات .. ولو لم يتم حبس الشاب بعيدًا عن الاغراءات التى تمتلأ بها حياتنا فلن يجد وقتًا للاستذكار , يتركون لك آلاف القنوات التى تبث السموم وعليك أن لا تنظر اليها , يتركون المخدرات تباع على الأرصفة , وعليك أن لا تطمح اليها فى لحظات ضعفك !يقومون بتهييفك ويطلبون منك أن تكون جادًا !! بالله عليك ماذا عليك أن تفعل وسط كل هذا ؟ يضعونك فى بيئة فاسدة ويناشدونك أن تكون صالحًا ! , ان الحل يكمن فى منع الفساد واصلاح الحال عندها ستجد الكثير من الأحوال تتبدل ..
وصمت قليلا ليتناول أنفاسه ويدقق فى موضع اصابته قبل أن يكمل :-
- هكذا ستجد ردودهم , ان من يريد أن يصلح فسيكون صالحًا , هذا هو ردهم الوحيد الصائب الذى ينافى كل دروب الفساد التى تراها أمامك , وعليك أن تتقبل هذا الرد فالمظاهرات لن تأتى بنتيجة , ونحن نعلم هذا من قبل أن تخرج مظاهرتنا تلك ولكننا بحاجه الى اخراج ما فى نفوسنا والا أدى كبته الى تطرفنا , ثم أن هناك الكثير مما نتجاوز عنه , ولكننا لن نستطيع ما حيينا أن نتجاوز عن الوطن أو الدين !
تطلع اليه سامح قليلا وهو يفكر فى كلماته قبل أن يساله سؤالاً عجيبًا ! :-
- لماذا ؟
مرة أخرى يتطلع اليه الشاب فى غرابة متعجبًا من ردة فعله وهو يوقن فى أعماقه أنه أمام ساذج كبير أو شخص يحاول الايقاع به , ولكنه أجاب اجابة حاسمة قصيرة :-
- لأن الدنيا بها ثلاثة أشياء تستحق الحياة , الوطن , والدين , والحب , وهم الثلاثة الذين يجب الدفاع عنهم أيضًا .. فاذا عدمتهم أو لم تستطع الدفاع عنهم.. فيمكنك أن تبحث عن الموت .. فلم تعد للحياة قيمة !
***
فى منزله بعد عودته استعاد سامح فى ذهنه ما قاله له الشاب المتألم , كان يعلم أن كلامه صحيح وصائب , كان هذا بينًا من معاداة الأمن لهم , لو أنهم يفعلون شيئًا خاطئًا لاعتقلوهم و ولكن الاكتفاء بتفريقهم يعنى أنهم على حق وأن الخوف من تجمعهم كبير , وكان أشد ما فكر فيه سامح .. عبارة الشاب الأخيرة .. الوطن والدين والحب و ربما كان ترتيبهم خاطئًا ولكنها لخصت بدقة ما يمكن أن يضحى المرء من أجله وما يمكن أن يحيا من أجله !
أخذ يفكر بجد أكثر , ليس وحده من يعانى من النظام القاسي لوطنه , وليس وحده من يعانى من الفساد المنتشر فى جميع الأركان , ان الكثير من الشباب فى اعماره والاكبر والاقل يعانون ذات معاناته والكارثة فى النشء الجديد الذي سيفسد بدوره بمجرد بلوغ مرحلة الشباب ان لم يكن قد فسد بالفعل من صغره !
فكر حتى كاد يصاب بالجنون , أخذ يلعن الشاب فى أعماقه , هو كان جيدا ويحيا حياة طبيعية , لم يفكر هكذا من قبل ولم يكن ليفكر , كان راضيًا عن حياته على الأقل , ترى .. لماذا يشعر بالسخط الآن ؟ لماذا بدأ يكره حياته السابقة بأسرها ويشعر للمرة الاولى أنها مهمشة وأنه لا دور له , اسم فقط بين مليارات الاسماء فى العالم !.. مجرد اسم !.. لقد جعله الشاب يحتقر ذاته وحياته السابقة , فى نهم أخذ سامح يبحث عن قيمة دافع عنه فى حياته السابقة , لم يجد , فكر أنه قد يكون بلا كرامة الآن ..
هداه تفكيره الى أن عليه أن يفعل شيئًا حتى يجعل حياته ذات قيمة ما , الوطن ؟ ماذا عساه أن يفعل ؟ أيخرج متظاهرًا وهو يعلم أن النتيجة ستكون اهتزازا طفيفا فى الأمن الداخلى ثم لا شيء بعد ذلك ؟ اذن فلم التظاهر من البداية , ليصمت !, أم يذهب الى الفسدة ويترجاهم أن يكفوا عن الفساد ويخبرهم بأن الرشوة والزنا والوساطة والظلم والتكبر حرام !! كيف سيدافع عن وطنه ؟ و كيف سيحارب الفساد فى وطنه ؟ فكر طويلاً .. طويلاً جدا .. ثم تبين له فى النهاية أنه عاجز عن الدفاع عن الشيء الأول !.. عن وطنه
بقى له قيمتان أخريان .. الدين والحب !.. لا يدرى ما دخل الحب فى الأمر ولكن يبدو أن الشاب يعرف ما يقول وما دام قال أن الحب قيمة ثالثة , فبالتأكيد هو قيمة ثالثة !
انتقل الى القيمة الثانية , الدين !, ان الدين بحاجة الى أساسات متأصلة جيدة لمن يريد الدفاع عنه , لا بد من عالم ليتم الأمر , والشاب لم يكن يبدو عالمًا الى هذا الحد , أيقصد مقدساتنا ؟ فلسطين مثلا ؟ الأقصى ؟ أم أعراضنا وأرواحنا , فلسطين أيضًا والعراق وافغانستان وسوريا وباكستان والهند والحجاب فى فرنسا والنقاب فى بريطانيا والرسول فى الدانيمارك والاسلام امام سائر دول العالم؟
ليته يعثر على هذا الشاب مرة أخرى ليوضح له الأمور على حقيقتها , ماذا سيفعل هو للأقصى مثلا ؟ كيف سيدافع عن المقدسات ؟ هل يعلن فى الفضائيات عن تكوين الجيش السامحى الذى سيجتاح اسرائيل على الخيول وبالسيوف الحادة الفضية النصال وعلى من يريد الانضمام ان يقابله امام باب المنزل المجاور فى الثانية عشرة ليلًا حت يخرجوا بعيدا عن أعين المخبرين من الحكومة, كم هو صعب الدفاع عن هذا الدين , وكم هو يسير لو وجد هناك طريق واحد !!
اللعنة ! , لم تبق سوى قيمة واحدة هى الحب كما يقول الشاب , الحب وتجاربه المريرة , من قال أنه لم يكن يحب ؟ من قال أنه لم يكن يهيم حبًا بفتاة ما ؟ ومن قال بأنه لم يكن يحبها لدرجة الجنون وأنه كان مستعدًا أن يفعل أى شيء ممكن سواء مشروع أو غير مشروع من أجلها ؟. من قال بأنه لم يدافع عنها ؟
تجربة مريرة حقًا كانت , هى لم تحبه قط , لم تقدر مدى ما يكنه لها من شعور , لو سارت الأمور فى الحب بالذات كما يتمنى كل محب صادق لصار للحياة لون وشكل آخرين تمامًا , ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه , لهذا لم تكتمل معظم قصص الحب ولن تكتمل , ان الحمقاوات يبحثن عن من يحببن وليس عن من يحبهن , هو دافع بكل ما استطاع من قوة , ولكنه لم يكن لديه القوة الكافية لهذا كان الفشل الذريع هو النهاية المثلى !
هذه هى القيم الثلاثة التى من المفترض بها أن تستحق الحياة , وهو لم يعرف طريقًا للنجاح فى احداها بعد , ومع هذا قرر سامح أن يجرب مرة أخرى ؟ لم لا ؟ ان معنى فشله هو أنه لا يستحق الحياة , وما دام موجودًا بها فعليه أن يحاول مرة أخرى وثالثة , فربما ينجح عندها سيتغير كل شيء أمامه , ربما سيجرب كيف تكون له قيمة فى حياته وهو بحاجه لهذا الآن , ربما ذهب عنه الشعور بالسخط والكراهية الذى جاءه من مجرد التفكير فى كلام الشاب ورؤيته لما حدث من أحداث فى المظاهرة , ربما كذلك يستطيع أن يرشد غيره الى طريق الدفاع عن هذه الأشياء فقط لو وجده هو !
الشاب الذى كان يتحدث كان يسير فى المظاهرة , و ما دام هو من بث فيه هذه المشاعر فلا بد أنه يحمل أضعاف أضعافها , وقد كان يسير فى المظاهرة وضُرب مع من ضُربوا دون أن يتراجع بل كان يتوقع هذا , اذن فربما تكون المظاهرات هى الحل الأمثل لما يريده سامح , هكذا كان تفكيره وهكذا شغله الأمر حتى جاء موعد مظاهرة أخرى , ومن حسن حظه أنها مزدوجة هذه المرة , للدفاع عن الوطن والفساد الذى استشرى فيه , وللدفاع عن انتهاكات الصهاينة القذرين للمسجد الأقصى والمقدسات الدينية وأعراض المسلمات فى القدس الشريف
وقد كان يسامح متابعا لأخبار هذه المظاهرة منذ الاعلان عن احتمال حدوثه , وانتظر حتى تحقق ما يريده أخيرًا , هو الآن يسير فى المظاهرة الحاشدة , يحمل لافتة ضخمه تحوى كلمات ضخمه عن ما يفعله الصهاينة بالأقصى وما يعرفه الجميع ولكن يبدو أن الموضوع للتذكير فقط , أخذ يتقدم فى الصفوف من صف الى صف حتى صار فى مقدمة الركب , بعد قليل سيأتى المدرعون ليثبتوا لهم أنهم على باطل ويفرقوا صفوفهم , هكذا يعرف وهكذا أخبره جميع من تحدث معهم قبل أن تسير المظاهرة , الهتافات الغاضبة تنطلق من الحناجر الملتهبة , فى كل خطوة يخطونها ينضم اليهم شخص جديد وأشخاص جدد , يبدأون فى الفهم أو يكونون منتوين المشاركة ولكنهم ينتظرون لحظة المظاهرة أمامهم , تزداد الحناجر واحده فواحده , حتى علا الصوت وصار كزلزال رهيب أو جهاز انذار للحريق أستثير بفعل قنبلة نووية !
مرة أخرى بعض الأعلام تخرج وتحرق , يمسكها شخص ما ويلتف حوله المتظاهرون فى دوائر , يرفع العلم عاليا ثم ينكسه رويدًا رويدًا , ثم يرفعه مرة أخرى فجأة فيغضب المتظاهرون لرفعه مرة أخرى ولكنهم يصمتون حين يخرج قداحة من جيبه ويضرم النيران فى القماش الممثل للعلم , والعلم يحترق ويتحول من ألوانه الزاهية الى اللون الاسود , يلقى العلم على الأرض فتجد نصف المتظاهرين وقد قفزوا يحاولون سحقه بأرجلهم ,, انها لحظات نادرة .
على الجوار البعض من كاميرات الفضائيات تصور ما يحدث , منها ما ينقله بطريقة مباشرة ليوضح غضب الشارع العربي , ومنها ما ينقله بعد مونتاجات حرصًا على رقة المشاهدين وامعانًا فى تهييفهم فيعرضون المظاهرة ثم فيديو كليب لمطربة ما تتباهى بأجزاء جسدها !
وكما فى المرة الأولى , فجأة برز المدرعون , كأنهم قد برزوا من العدم , أخذوا فى الاقتراب شيئًا فشيئًا ثم راحت عصيهم تعمل فى الأجساد , امرأة عجوز كانت تتظاهر دفعها أحدهم لتسقط على ظهرها , سقطة كهذه كفيلة لتجعلها تقضى نحبها ولكن أحدًا من المتظاهرين لن يقف ليشاهد اذا ما كانت حية أم لا , امرأة أخرى أصابتها عصًا فأطلقت دعوة على الظالمين لتجد ملابسها بعد لحظات وقد شقت الى بضعة أجزاء , رجل يصرخ صرخات هيستيرية , هذه الصرخات معروفة لكل من يحضرون هذه المظاهرات , هذا رجل فقأت العصا عينه !
وكان سامح فى المقدمة , لهذا فقد كانت اصابته حتمية , خاصة أنه كان بحاجه للتخلص من الشعور بالعار والسخط وكراهيته لنفسه الذي يعتريه , لهذا لم يتراجع , ولهذا أكمل مسيرته , وتلقى الضربة الأولى فلم يشعر , حقا ان الغضب لنار شديدة , كيف لا يشعر بكل هذه الضربات التى تنهال عليه رغم أنها قوية شديدة , لم يشعر أيضًا يتلك الضربة الغليظة على رأسه , فقط شعر بشيء يرتطم برأسه وأن قدميه لم تعودا تتحملانه .. شعر أيضا أن من حوله بدأوا فى الارتفاع , بعد لحظات عندما لامس وجهه الأرض مغشيًا عليه أدرك أنه هو من بدأ فى السقوط .
***
وحين أفاق , كان سامح قد قرر شيئًا واحدًا , هو لا يستحق الحياة .. فليدعها لمن يستحقها اذن , لن يكون عبئًا عليها , هكذا قرر فى نفسه , الانتحار ؟ بالتأكيد هو الحل الأمثل ولكن صحيح أن علاقته بالله ليست جيدة ولكنها ليست منعدمة الى هذا الحد ..
ان الحل يكمن فى وطن جديد , ليست اسرائيل بالطبع , قطعة أرض مترامية الاطراف فى احدى الصحارى التى تعج بها بلادنا العربية , منزل فى وسطها , غذاء كامل معلب يشتريه دوريًا أو بالبريد , أشياء من هذا القبيل , ولكن هناك مشكلة بشعة فى الأمر , ان الأمر يحتاج الى مال وهو لا يملكه .. يبيع منزله ؟ لم لا فهو فى موقع متميز ولن يحتاجه بعد اليوم بعد ان قرر ما سيفعل ثمنه !, اذن لا بأس هذه مشكلة قد حلت , سيعيش منعزلًا البقية الباقية من عمره .. هذا هو الذى طالما بحث عنه وما يجب على الجميع فعله , الموت حيًُا , أو الحياة موتًا !
***
وقد كان ..الآن نرى سامح قد بنى منزلا جديدا فى وسط الصحراء وجهزه , ينفق على نفسه من بقية ثمن المنزل الذى سيكفيه لخمسة أعوام مقبلة على الأقل , سامح يجلس منعزلا فى المنزل , يتصل بين كل حين وآخر بصديقه ثابت الذى تعرف عليه فى منزله هذا , ثابت أحد العاملين فى أحد المحلات الغذائية العملاقة وقد كان يوصل الطلبات لسامح فى البداية ثم سرعان ما اعتمد عليه سامح فى كل الأمور التى يرغب بها من المدينة ودفع فواتير الكهرباء والماء والتليفونات وشيئًا فشيئًا نشأت بين سامح وثابت علاقة صداقة توطدت شيئًا فشيئًا وقد كان ثابت هو الرجل الوحيد الذى يقتحم خلوة سامح ولا يوجد غيره ..
لم يكن سامح غبيًا أيضًا , علم ان ماله سينفد آجلا أم عاجلاً لهذا قام بعمل مشروع يدوى صغير له يصنع به بعض الأشياء التى يروجها له ثابت وهكذا بدأ يخسر فى البداية الى أن بدأت صناعته تلقى رواجًا وشيئًا فشيئًا أصبح شغله مطلوبًا ..
ولكن رغم هذا فقد كان أمام سامح وقت فراغ كبير , كان يقضيه أمام شاشة تلفازه أو فى ممارسة الرياضة التى لا يعرف لماذا يمارسها , و رغم الملل الشديد الذى كان يشعر به الا أنه ظن أن هذا أفضل ألف مرة من أن يشعر بالعجز والذل فى المجتمع الخارجى , صحيح أنه هنا خاضع للسلطة بطريقة أو بأخرى , ولكن لن يقترب منه أحد لسبب بسيط , أنه لم يقترب من أحد , اللهم إلا لو ظن علماء الآثار أن مومياء أخناتون تحت منزله فعندها سيقتلونه عند أول مبادرة لرفض الجلاء عن المكان .
ثابت بدوره كان يجد الجلوس مع سامح ممتعًا , ولكنه لم يحب ابدًا جلوسه فى عزلة عن المجتمع , هذا أمر غريب يراه للمرة الأولى فى حياته , وقد حاول مرارًا وتكرارًا حتى قبل أن يصادق سامح أن يثنيه عن هذه الفكرة الحمقاء ولكن سامح كان مصرًا عليها وكأن الطاعون قد تفشي فى بقية مناطق البلاد وهكذا سلم ثابت بالأمر الواقع ولكنه كان غير مقتنع بداخله وغير راضِ عما يحدث , ورغم هذا فقد كان يجلس مع سامح كثيرًا , ثابت يحتاج أحيانًا الى الهدوء الذى يعيشه سامح , يأتى بالسيارة ومعه ما ابتاعه لسامح ثم يجلس مع سامح بعض الوقت , بل الكثير منه ولحسن الحظ أن سامح لم يختر مكانًا بعيدا الى هذا الحد والا كان الطريق سيكون شاقًا للوصول اليه فى هذه الصحراء مترامية الأطراف!
و مرة بعد مرة بدأ ثابت يحضر بعض الألعاب الخفيفة المسلية ليسلى وقته ووقت سامح معه , كان يمرحان كثيرًا بأوراق اللعب ويفكران كثيرًا وأحدهما يحاول دحر الآخر فى الشطرنج ثم يقهقهان سويًا على أحد الأفلام الكوميدية على شاشة احدى القنوات , تلفاز سامح المثير , أجمل ما فيه أن سامح قد حذف منه جميع القنوات الاخبارية حتى لا يشعر بما حوله , وحتى لا يشعر بالعجز أيضًا ازاء ما حوله
فىآخر المرات التى كانا فيها سويًا , وفى غمرة لهوهما وضحكهما سأله ثابت مرة أخرى نفس السؤال :-
- سامح ألا تنوى العودة مرة أخرى الى المدينة ؟ ألم تكتف بهذا القدر بعد ؟!
فى سأم نظر اليه سامح وكأنه قد مل إجابة هذاالسؤال وقال وقد ظهر الضجر على ملامحه :-
- يبدو أنك رائق بما يكفى اليوم وتريد تعكير مزاجك ومزاجى , أخبرتك عشرة آلاف مرة من قبل أننى لن أعود , سأظل هنا حتى أموت ..
قاطعه ثابت فجأة :-
- وهل تظن أنك ستستطيع ؟ ستضيع شبابك فى تحمل هذه الوحدة ولكنك تعلم جيدًا أن للتحمل حدود , وأنك حتمًا ستنفجر ذات يوم , لن تطيق الجلوس هنا وستعود , وحينها ستجد أن أجمل ما فى عمرك قد ضاع ..لماذا لم تجب .. هل ستستطيع ؟
فى هدوء شابه بعض التوتر نظر سامح إليه وهو يفكر فى أى شيء يجيبه به , ولكنه سرعان ما أطرق ببصره فى الأرض , هو يعلم أن ثابت على حق وأنه ستأتى لحظة سينفجر فيها ومع هذا فقد أجاب دون أن يستنكر :-
- ربما لن أستطيع , ولكننى حين أنفجر سأكون وحدى , وعندما أنفجر فسأقضى أيام الانفجار فى كآبة , وبعدها لن يؤثر بي شيء قط , تعلم أنت العداء الذى يعدو حتى تكاد عضلات ساقيه تتمزق ولكنه يظل يعدو فلا يشعر بما حوله , هذا ما سيحدث لى , حين يأتينى هذا الشعور .. كل الالم الذى سأشعر به هو ألم التمزق , لو فكرت بعدها فى الأمر مجددا فسأهلك لا محالة , ولكننى لا أنتوى التفكير فى العودة مطلقًا !
فى أسي قال ثابت وقد أحبطه الجدال العقيم الذى يتجدد كل مرة ولا نتيجة :-
- ولم كل هذا ؟
أجابه سامح فى ثقة وصرامة :-
- لأن الجلسة هنا فى عزلة مهما كان الأمر أهون ألف مرة من العودة الى المدينة وفيها ما فيها , لا أستطيع فعل أى شيء هناك , أنت عاجز عن الدفاع عن أى شيء , ربما لو مس أحدهم شرفك أو ممتلكاتك ولم تستطع جلبها منه فلن تستطيع ما حييت , لقد صار القانون كاللعبة أو كمساحة الأحذية , يمسح بها كل كبير ما يريده ويدعها ليتجاوزها دون أن تشغل باله فى شيء مطلقًا , لا حفاظ على أى شيء .. بل الحفظة هم المجرمون !
فى صمت فكر ثابت قليلاً , لن يمشى من هنا اليوم الا منتصرًا , فى كل مرة يحبطه سامح بكلامه فلا يجد ردًا وسرعان ما يغير الموضوع ولكنه اليوم لن يغيره , هو مصر على اكمال المناقشة التى بدأها لهذا فقد قال أخيرًا وقد وجد ثغرة كبيرة بمكنه دحر أفكار سامح منها بسهولة :-
-جميل ما تقول , ولكنه جبن صريح يا صديقى , أنت فشلت فى الدفاع عن أى شيء لك فى المدينة فأتيت الى هنا لتبقى منعزلاً وتترك المدينة تحترق وليحدث ما يحدث , كأنك الوحيد العاجز أو الوحيد الذى يشعر , وفى الحقيقة أنت الوحيد الذى استسلم , ان من باع قضيته لأنه عذب أو أعتقل أو أخذ مبلغًا من المال لهو أفضل منك , على الأقل هو جالس هناك ينتظر وعنده أمل فى مجيء يوم جيد تتحسن فيه الأوضاع حقًا ولو من داخله , أما أنت فتركت هذا كله , لا يوجد أدنى أمل لديك لمجرد ادعائك الشعور بالقهر , وأتيت الى هنا ..بالله عليك أيهما أفضل أنت أم هو ؟
وقبل أن يجيب سامح تابع ثابت بما لا يجعل له مجالاً للرد أو المقاطعة :-
- ان كنت قد عجزت عن الدفاع عن ما تقول مرة فبمجيئك هنا تكون قد بعته تمامًا ليفعل به الآخرون ما يشاؤون .. تخيل المكان من حولك حين يمتلأ بالآخرين ممن هم مثلك , وتخيل المدنية حين تفرغ تمامًا ممن حاولوا فعلك , عندها ماذا سيبقى , ان ما فعلته وما فعله كثير مثلك يساهم كثيرًا ولو بطريق غير مباشر فى تحسين الأوضاع , ان الحياة التى تنشدها لن تأتى مرة واحدة ولا من مظاهرة واحدة أو خمس أو عشر .. هذا حلمك فلتفنى حياتك من أجله .. وليس فى صحراء لا قيمة حقيقية فيها لحياتك
قالها ثابت وقام منتصبًا وهو يقول متجهمًا وجهه :-
- أما زلت مصرًا على الجلوس هنا ؟
***
وفى المقدمة كان سامح يسير .. ذات المشاهد .. احتراق الأعلام ..الضجة .. الهتافات الموحدة , المدرعون القادمون من الواجهة , الضربات التى نال سامح منها قسطًا لا بأس به ابدا حتى خارت قواه فجلس على الأرض الأسفلتيه بينما تابع الأقوياء التقدم ..
اقترب منه أحد الشباب و وقف أمامه للحظات ثم بادره بالحديث قائلاً :-
-صباح الخير ..
رفع سامح بصره اليه وابتسم .. ودون أن يجيب .. قام ليكمل المسيرة
- تمت-

2 Comments:

أحمد منتصر said...

لأن الدنيا بها ثلاثة أشياء تستحق الحياة , الوطن , والدين , والحب , وهم الثلاثة الذين يجب الدفاع عنهم أيضًا .. فاذا عدمتهم أو لم تستطع الدفاع عنهم.. فيمكنك أن تبحث عن الموت .. فلم تعد للحياة قيمة !


جميلة جدا قصتك يا طارق...

وفى المقدمة كان سامح يسير .. ذات المشاهد .. احتراق الأعلام ..الضجة .. الهتافات الموحدة , المدرعون القادمون من الواجهة , الضربات التى نال سامح منها قسطًا لا بأس به ابدا حتى خارت قواه فجلس على الأرض الأسفلتيه بينما تابع الأقوياء التقدم ..
اقترب منه أحد الشباب و وقف أمامه للحظات ثم بادره بالحديث قائلاً :-
-صباح الخير ..
رفع سامح بصره اليه وابتسم .. ودون أن يجيب .. قام ليكمل المسيرة



الدفاع عن الحق مهما كلف الأمر.

بأسلوب احترافي وفكرة جميلة ومعالجة أجمل كانت قصة البحث عن موت من أجمل ما قرأت في الآونة الأخيرة.

تحياتي.

كوارث said...

أحمد منتصر منورنا والله يا ابنى
ردك الىل أجمل ..
وشكرًا على رايك
ساعدنى انى آخد قرار فى مصير القصة فعلاً
وأتمنى أن تكون الأعمال القدمة عند حسن ظنك دائمًا