Monday, July 06, 2009

التّي عندَها بدأ الكوْن - قصّة قصيرة


التّي عندَها بدأ الكوْن - قصّة قصيرة
طارق عميرة
جلسَ يُراجِعُ نفسهُ للمرّة الأولى منذُ أعوَام , أغلقَ عينيهِ لتمرّ حياتهُ أمامهُ في لحظَات ..طُفولتُه , صبَاه , وهو طالبٌ متفوقٌ فِي مدرستِه , مميّزٌ فِي جامعتِه , لحظَاتُ فرَحِه , أصدقَاءهِ القُدَامَى , أصدِقاءهِ الجدََد , لحظاتِ حزْنِه , عثراتهُ بلاَ أصدَقَاء , عثراتهُ معَ الأصدقَاء , مراهقتُه , رجُولتُه , إنطلاقتهُ فِي الحيَاة بحثًا عن كينُونتِه التّي حيرتهُ لأعوام ..

عملَ في أحدِ حقُول التفّاح , وكانَ يعملُ وحدهُ في مساحةٍ كبيرَة , لماذَا جعلهُ والدهُ يخوض التجربَة ؟ إكتشفَ في مَا بعد أن الحقلَ ملكٌ لوالدُه , عملَ في أعمالٍ مهينةٍ لمجرّد التعلّم , صارَ من أصدقاءهِ منْ صداقتهُ صداقةٌ سوء , ومن صداقتُه مثريةٌ كعقْل , وقدْ كبرَ يستطيعُ فعْلَ الكثِير , لتعلّمه أو لذكاءهِ أو لتفوّقه في دراستِهِ السابّقَة ..

تذكّر سنوَات التيهِ .. كانَ الصبّاحُ كالمسَاء , الأبيضُ كالأسوَد , الغدّ كالأمْس , هوَ الذّي يستَطِيعُ فعلَ أشياءٍ كثيرَة ولم يكُن يفعلُ أيّ شيءٍ تقريبًا , كالذّي لا وجُود لَه , لحظَات الضيّاع .. نهايتُهَا ..

هيَ ..

التّي عنْدَهَا بدأ الكونُ , وإليهَا سينتَهِي ..

هيَ ..

المالكةُ لسرّ الوجُود .. والمحتفظةُ بِه ,

هيَ التّي أشعرتهُ انّه يملكَ الكونَ كلّهُ في لحظَات , شعرَ في لقَاءَاتِهمَا بشبَعهِ من الدنيّا وإرتواءهِ مِنَ الحيَاة , جسدُهَا هوَ الأرضُ وعينيهَا السمّاء , وكلامُهَا يصنَع الحاضِرَ والقادَم ..

هيَ التّي وضعتهُ على القمّة بكلماتٍ منهَا , وفجّرت طاقَات هائلَة في أعمَاقِه بوجُودهَا , هي التي أشعرَتهُ أنّه يحيَا ..

***

قالَ لهَا وهو يتأمّل شاطيءَ نهرِِ النيل :

- أنتِ رائعةٌ في الكثيرِ من الصفّات ..

قالَت وهي تديرُ رأسهَا بينهُ وبين الماء الذي إنعكسَت عليهِ أضواءُ أعمِدَةِ الإنَارة , وتبتسمُ في خجَل :

- وأنتَ كذلِك , يكفِي أنّك ترانِي هكذَا ..

بادلهَا الإبتسَام وهو ينظرُ إليهَا يغمرهُ شعورٌ بالسعَادَة .. قالَ لهَا :

- أشعرُ بأنّك الأقربُ إليّ وخيرُ من يفهَمُنِي ..قالَت له :

- بل أتعلّم منكَ الكَثير ..

تسللّت يدهُ تحتضنُ كفّهَا الرقيق , فإضطرَبَت قبلْ أن يستكينَ كفّها في يدِه ليشعرَ بالدفْءِ يغمرَ جسدهُ كلّه , يصمتُ طويلاً وهو يتأمّل عينيهَا في إنبهارٍ ويتركْ روحهُ تتسللّ في شرودٍ إلى عالمهَا ..

***

يتذكّر بعدَ كلّ هذهِ الأعوَام , ما زالَ يذكرُ تفاصيلَ ذلك اللقاء , لون المياهُ ولمعةًُ ضوءِ أعمدة الإنارَة , الطريقُ في الجهةِ الأخرى والسيّارات المارّة في إتجاهين متعاكسيْن , يذكُر ألوان السيّارات التي عبرَت كذلك , ملابسهَا , عينيهَا اللتين تستعصيانِ على النسيّان , خصلة شعرهَا الناعمَة , الإعلان الأزرق العِملاق المثبّت على عمودٍ مستقل فوقَ الرصيف بجوارهمَا , معلبّات المياه الغازيّة الفارغَة الملقَاة أمَام الشاطيء مباشرةً , كلماتُهَا , هو الذّي تعلّم منهَا الكَثِير ..

قالَ لهَا ذاتَ مرّة :

- أنتِ لا تُدركينَ قيمتكِ الحقيقيّة في حيَاتِي , أعجزُ عن التعبير لأنّ أي كلماتٍ ستبدُو تقليديّة إن قلتهَا , هذهِ التعبيرات شائعةٌ حتّى أن الجميع لا يكفّون عن إستخدامِهَا , أفكّر في شيءٍ جديدٍ لكِ ..

قالَت :

- لا داعي , فقطْ إفعَل كما يفعَلُ الجمِيع ..

يصرّ هوَ :

- لسنَا كالجميع , لا أحتملُ حقًا فكرَة فقدْك !

قالَتْ لهُ :- وهمْ أيضًا .

قالَ لهَا :- أنتِ لا تفهمينَ مَا أريدُ قولُه , أنَا أكثرَ منْهُم , قلتُ لكِ أنّ هنَاك مشكلةٌ كبرَى هي تقليديّة التعَابِير , لهذَا لا أعرفُ كيف أصفْ , لا أعرفَ كيفَ الشرْح , أنا ...

ويصمُت قليلاً محاولاً التفكّير في شيءٍ لهَا فقَط , قبْلَ أن يقُول في إستسلام :

- أنَا أحبّك ..

تنظرُ لهُ ثمّ تقُول :

- و أنَا مدمنةٌ لَك ..

تعبيرٌ جديدٌ لهَا يتذكّرهُ الآن فما زالَ جديدًا رغمَ السنين , و رغمَ إرتباطهِ بالكثيرِ من الأشياء السيئَة ولكنّ معناهُ واضِح , لا تستطيعُ الحياة بدونِه , أم ستعَانِي في فقدِه ؟

يتأمّل هديتهَا في صندوقهَا الأسوَد الصغَير , هذَا أثرٌ لن ينمحِي قطْ , ودليلٌ موجعٌ على أنّها لن تنسَى , هل تحتفظُ بشيءٍ منْهُ وتتذكرّه كلمّا رأته ؟ لا يذكُر إن كانَ قدْ أهدَاهَا شيئًا , ترَى هل تشعرُ بإزديادِ ألمهِ كلمّا رأى هديتهَا , كان يقبّلهَا , يشعرُ بأنّه أحمقٌ لأنّه يكنّ كل هذهِ القيمةِ لشيءٍ لمجرّد أنّه كان في يدِهَا يومًا..

كانَت المنَاسبةُ هيَ يومُ مولدِه , الإحتفالِ بيومِ مولدِه الذي يعتبرهُ الآنَ يومَ وفاتِه , يومَ بدأ يستكشفُ سَرَاديبَ التيهِ الحقيقيّة من دونِهَا , قالَتْ لهُ :

- أخشَى أنّه لم يعُد ممكنًا أن أراكْ ..

جملةٌ كهذهِ زلزلَت الجبلَ الراكدَ في أعمَاقِه , كانَ سببهَا مقنعًا جدًا ومخالفتهُ تعنِي الكثيرَ من الأضرَار , هذَا الألمُ الذي يكتنَفُه , لماذَا إلتقَاهَا ؟ , لماذَا لم تعلنْ هيَ كراهيتُهَا له أو خوفهَا منْه أو حتّى مللهَا بجواره؟ , كان هذَا سيمنحهُ سببًا واحدًا لخيانَتِهَا أو النظّر لغيرهَا, لكن الظرُوف وقهْر الظُروف , هذَا يجعلُ الأمورَ أشدّ إثَارَة , يُشعلُ التحدّي للدفاعِ عنهَا , هيَ التي بدأ عندهَا كونهُ وعندهَا سينتهِي ..

***

من خطابٍ لها كتبُه في منتصف ليل اليومِ السابِعِ من الشهرِ التاسِع في عامِ الفراقِ الأول ولم يُرسلِه :صرتُ أؤمنُ باليأسِ كثيرًا ..

أتساءلُ : هل عرفتينِي ضائعًا ؟ إن لم تكونِي لاحظتِي ذلك في لقاءاتنَا المعدودَة , فأنَا أؤكدُ لكِ أنّنّي ضائِع , كنتُ ضائعًا حينَ عرفتكِ , وأنَا الآن ضائِع , لكنّ الفارق بين طبَقَات الضيّاع هو نفسهُ الفارِق بين قارتيّ القطبِ على خارطةِ كوكب الأرض .

رأيتكِ طريقًا طويلاً آمنتُ بهِ حتّى خيّل إليّ أنني أعدُو سريعًا فيه , قبل أن يختفِي دونَ أنْ أبلُغَ مالمْ يبلغهُ أحَد , سلمًا عاليًا صعدت فيه كثيرًا لأجد درجَات محطمّة , ثم يختفِي السلّم ذاته فأهوي وأهوي .. وما زلتُ أهوي حتّى الآن ..ولن يعيدَنِي من الهاويةِ شيءٌ سوَى يداكِ ..

يقرأ هذهِ القصَاصة كثيرًا , يبتسمُ لأنّه لم يرسلهَا , يفكّر مرّة أخرَى .. أعوام مرّت على هذهِ القصاصَة ..وما زالَ يهوِي ..

***

يُخرجُ صندوقه العتِيد الذي يحتفظُُ فيهِ بألعاب طفولتِه وصبَاه , يتأملّ بعضَ ألعابهِ القديمَة التي لم يعُد لها وجود في الأسوَاق , دفاتر كتبَ فيهَا أصدقاؤه , عملاتٌ من هنَا وهنَاك , مصحفٌ أنيق وجائزةٌ حصلَ عليهَا على تميزّه فِي علومِ الدين , الكثير من شهادَات التقدْير , في حنانٍ يفسحُ مكانًا صغيرًا ويضعُ فيه صندوقًا أسودًا صغِير ..

يعاودُ إغلاق الصندوق الكبير وإعادتهِ إلى قبْرهِ الذي ينهض منهُ نادرًا , يتّصل بصديقٍ لهُ لم يزرهُ منذ أشهر , يزورهُ ويتلقّى الكثيرَ من العتَاب , لكنّ أكثرَ ما بدأ يشفعُ له هوَ عودتهِ إلى طبيعته ..

قال صديقُه :

- تبدو مرحًا .. هذهِ مناسبةٌ تستحقّ الإحتفَال !

كانَ قد قرّر أن ينهِي مأساةِ هذهِ الأيّام السوداء , العالمُ كبير , العالمُ جمِيل , وعليهِ أن يلحقَ بسباقِ الحيَاة الذي أقعدته إصابتهُ عنهُ طويلاً جديدًا , هكذَا عادَ بحماسٍ يدفعهُ لهُ شعورهُ بوجوبِ المواجهَة , لن يتذكرّها ويحزن كثيرًا عندمَا يمرّ من ذاتِ الأماكنِ التّي كانَا فيهَا معًا , فقطْ سيظلّ يبتسم , لقدْ ذهبَت ولتكُن ذكرَاهَا سارّة إذن ..

شعرَ أنّه يكذبُ على نفسهِ , ولكنهُ تمادَى في كذبهِ كثيرًا حتى شعرَ أنّه يصدّق أخيرًا , جاءهُ إتصالٌ ذاتَ مرّة , فأجابَ غير متوقّع , كانَت هيَ المتصلّة , لم يصدّق أنّها تقُول :

- أريدُ أنْ أرَاك .. لقدْ ..

- تمت -

Tarek Omyrah

http://www.facebook.com/pages/-/78819648914?ref=share

4 Comments:

عاشقة الحب said...

الاسلوب عجبني جدا
بس في الاول مشفتش في القصة معنى
لكن لما ركزت شوية طلعت بنتيجة رائعة
هو انا ليا طريقة
فلسفية عجيبة
لو استخدمتها في فلسفة القصة دي
فيكون النتيجة
ان لما كان فالاول ضايع
كان زي طفل صغير
و هي الفترة البتعلم فيها
و هو كان طالب مجتهد في الفترة دي
و فراقهم فترة اختبار ليه
في الاختبار ده هو
كان رجع لحالة الضيعان تاني
لما شاف مكان لقائهم
مع ان ده جرحه بس زوده بقوة اكبر
فنجح في الاختبار
و جيزته انها ترجع تاني

يعني المستفاد من الموضوع ايه
هي علمته
اختبرته
زودته بالقوة
و هي كانت دافع نجاحه

و كدا هتكون هي
التي بدا عندها الكون

تحياتي

Tadwina said...

مرحبا
بعد عمل تقييم من قبل تدوينة دوت كوم لجميع المدونات المصرية نبلغك بأن بعد اضافة مدونتك إلى تدوينة دوت كوم قام العديد من القراء بالاطلاع على مدونتك الشيقة والجميله المليئة بالموضوعات المتنوعة لذا ترجو منك اسرة تدوينة دوت كوم بمراسلتنا للأهمية على
Tadwina@gmail.com
حتي نتمكن من ارسال البانر الخاص بنا لوضعه على الصفحة الرئيسية حتى يتمكن العديد من القراء في مصر والدول العربية بالاطلاع على مدوناتك المستحدثة
يمكنك متابعة مدونتك على الرابط التالى:
http://www.tadwina.com/feed/420

مع خالص الشكر
فريق عمل تدوينة دوت كوم
www.tadwina.com

إسماعيل وهدان said...

ا. طارف

عمل ذو اسلوب مميز حقا..

أول مرة أدخل مدونتك.

فقط لدي سؤال بسيط أرجو أن تجيب عنه..
كيف استطعت أن تجعل التصميم العادي 3 columns

Anonymous said...

أهلا طاارق
كيف الحاال ؟؟؟
أردت فقط أن أخبرك أني كنت ها هنا
و أني كالعادة تأملت قصتك في مزيج من الحيرة و الإعجاب أعادني إلى أيام مضت

كل تقدير لك و لقلمك
رمضان كريم
سكينة